كيف نفهم القرآن اليوم؟

المحاضرة في المعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة في تونس، 22 كانون الأول/ دیسمبر 2025

بسم الله الرّحمن الرّحیم

الحمد لله ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی جمیع الأنبیاء والمرسلین، سیّما خاتمهم وأفضلهم، سیدنا ومولانا ومقتدانا أبي القاسم محمد وعلی آله الطیبین الطاهرین وأصحابه المنتجبین.

أقيم منذ أيام في سياحة عائلية في بلدكم الجميل.

وأتقدم بخالص الشكر والامتنان إلى صديقي الصحبي العلوي الذي تفضل بترتيب هذه المحاضرة. كما أشكر القائمين على التنظيم على تقديمهم اللطيف. ويعدّ شرفًا كبيرًا لي أن أتيحت لي فرصة الحديث إلى الأساتذة والطلاب والأفاضل في المعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة في تونس، وهي إحدى أقدم الجامعات في العالم.

وقد اقترح عنوان هذه المحاضرة من قبل المضيف. وأرجو أن تعذروا قصوري في نطق اللغة العربية. كما أشير إلى أنّني سأجيب عن أسئلتكم المطروحة باللغة العربية باللغة الإنجليزية.
ويتألف بحثي من سبعة أقسام. وعنوانه: كيف نفهم القرآن اليوم؟

١. تحليل عنوان المحاضرة

يتضمن هذا السؤال أربع كلمات: القرآن الكريم، والفهم، والكيفية، واليوم.
وفيما يتعلق بالقرآن أو الوحي، یطرح سؤالان رئيسيان: أحدهما ماهية الوحي، والآخر كيفية فهمه.

وفيما يتصل بالسؤال الأول، فإني—على خلاف بعض التيارات التنقیحية في العالم الإسلامي— أعتقد أن القرآن كلام الله المنزَّل، نزل في معناه ولفظه مباشرة من عند الله تعالى، أو بوساطة جبرئيل، على قلب محمد بن عبد الله ﷺ. وهذا هو آخر الوحي الرسالي. ويتسم القرآن بالموثوقية التاريخية والحجية المعرفية.

وأما بحثي فهو منصبّ على السؤال الثاني، أي: كيف نفهم؟ فالسؤال الأساسي هو كيفية الفهم. إن فهم القرآن—بل فهم أي كتاب، بل أي ظاهرة أخرى— ليس أمرًا بديهيًا، بل يحتاج إلى منهج خاص. ونحن في سعي للعثور على مثل هذا المنهج.

وعلى خلاف التصور الأوّلي، فإن العثور على هذا المنهج ليس أمرًا سهلًا. فلا ينبغي أن نتوهّم أنه ما دام القرآن قد نزل بلسان عربي مبين ﴿الشُّعَرَاء: 195﴾، أو أن الله تعالى قد يسره للذكر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ ﴿الْقَمَر: 17﴾، فإنه لا حاجة إلى البحث عن طريقة فهمه. ذلك أن السعي إلى اكتشاف منهج الفهم لازم لكل نصّ، سواء أكان باللسان العربي المبين أم بغيره.
وقد يكون الفهم قريبًا من التدبّر والتفكّر.

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿ص: 29﴾،
وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ﴿النِّسَاء: 82﴾،
وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ﴿مُحَمَّد: 24﴾،
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿النَّحْل: 44﴾.
فبعد القراءة والترتيل، يأتي دور التدبّر والتفكّر والفهم. وإذ يحمل القرآن رسالة إلهية لسعادة الإنسان الأبدية، فإنه جدير بأن يتدبّر ويتفكّر فيه لفهم هذه الرسالة السامية والعمل بها.
في التصور التراثي، يقترب هذا البحث من مباحث الألفاظ في علم أصول الفقه. وهذه المباحث لا تختص بالفقه وحده، بل تشمل فهم كل نصّ ديني، فقهيًا كان أو كلاميًا أو حديثيًا أو قرآنيًا. وبعبارة أخرى، فإن فهم كل نص لفظي يعتمد على قواعد بُحثت في مباحث الألفاظ، من قبيل: النصّ والظاهر، والمفهوم والمنطوق، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وحجية الظواهر.

ومع ذلك، فإن قلة من العلماء—من الأخباريين من الشيعة—ينكرون الحاجة إلى علم أصول الفقه، ويظنون أنه يمكن اكتشاف مراد الله في القرآن، ومراد رسوله في الأحاديث، دون الاستعانة بهذا العلم.

أما في التصور الحديث، فإن بحث منهج الفهم يناقش في علم يُسمى الهرمنوطيقا. وفهم كل نصّ—بما فيه النصوص المقدسة—رهين التفاعل بين المتلقّيِ، والنصّ، والمتكلّم. وعلى خلاف مباحث الألفاظ في أصول الفقه التراثي، التي لم يكن للمتلقي فيها دور يذكر، فإن المتلقي في الهرمنوطيقا يحتلّ دورًا كبيرًا—وربما الأكبر—في فهم النص. وفي الهرمنوطيقا الغاداميرية، يتشارك النص والمتلقي في صياغة مصير الفهم. أما في هرمنوطيقا إريك هيرش، فإن لِلمتكلّم أيضًا نصيبٌ في تحديد كيفية فهم النص.

وفي سؤالنا الأساسي اليوم، يكون مراد المتكلم—وهو الله تعالى—هو المقصود الأول في فهم القرآن الكريم. فأيا كنا، وفي أي زمان وسياق نعيش، فإننا نسعى إلى اكتشاف مراد الله في القرآن. أي إن المتكلم (وهو الله)، والنصّ (وهو القرآن)، والمتلقّيِ (وهو نحن)، يشتركون جميعًا في عملية الفهم.

وعلى خلاف مباحث الألفاظ التراثية، فإني لا أنكر دور فهم المتلقّيِ في هذه العملية. وعلى خلاف غادامير، الذي لا يعطي قصد المتكلم دورًا في فهم النص، فإن همّنا الرئيس هو اكتشاف مقصود الله في القرآن. ومع إقراري بدور المتلقّي، فإني أسعى عن وعي إلى تقليل هذا الدور، لنقترب ما استطعنا من فهم مقصود الله والقرآن. وبكلمة «اليوم» أريد أن أؤكد أن فهم اليوم وفهم الأمس قد يختلفان في بعض النقاط. ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة التعارض، ولكنه—كما سيتضح لاحقًا—هو الذي أثار لدينا هذا السؤال. فلو كان فهم اليوم والأمس واحدا تمامًا، لكان بإمكاننا الاكتفاء بفهم ابن عباس، أو الطبري، أو ابن كثير، أو القرطبي للقرآن. إلا أن لنا اليوم أسئلة مختلفة عن أسئلة أسلافنا، ولنا توقعات مغايرة من القرآن والإسلام. وهذه الأسئلة والتوقعات المختلفة تؤثر تأثيرا عميقًا في فهمنا للقرآن.

٢. في ضرورة هذا البحث

من زاوية أخرى أتناول السؤال الرئيس لهذا البحث. فإن المخاطبين الأوائل للقرآن—أي في عصر نزوله وفي زمن حضور النبي ﷺ—كانوا أيسر فهمًا للقرآن؛ لأنهم كانوا يعيشون في زمان وسياق مشتركين. فمن جهة، كانوا عرب الحجاز، وبالتالي كانوا على دراية كاملة بثقافة الحجاز في القرن الأول الهجري، وهي البيئة اللغوية التي نزل فيها القرآن. ومن جهة أخرى، كان إذا عرض لهم سؤال، سهل عليهم أن يسألوا النبي ﷺ مباشرة، فيتلقون الجواب منه. وبوفاة رسول الله ﷺ، فقد المسلمون المعلّمَ الإلهي للقرآن، ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿الْبَقَرَةِ: ١٥١﴾. ومع التوسع التدريجي للإسلام، ازداد عدد المسلمين من العرب غير الحجازيين على حساب عرب الحجاز، بل إن عدد المسلمين من العجم فاق عدد المسلمين العرب فوق ذلك ازديادًا كبيرًا. وفي زماننا الحاضر، يتجاوز نسبة المسلمين العجم [أي غير الناطقين بالعربية] أربعة أخماس المسلمين.

وكان لازمًا على المسلمين العجم، وكذلك المسلمين من العرب غير الحجازيين، أن يبذلوا جهدًا أكبر في فهم القرآن. ومع ذلك، لم يكن هذا الأمر مستحيلًا ولا بالغ الصعوبة؛ إذ إن كثيرًا من أعلام الأدب العربي في اللغة والنحو والبلاغة—ممن هم مثل سيبويه، وابن فارِس، والفيروزآبادي، والسكاكي، والخطيب القزويني—لم يكونوا عربًا. وكذلك الحال في كثير من كبار مفسري القرآن، مثل الطبري، والزمخشري، وابن عطية، وفخر الدين الرازي، والقرطبي، والزركشي.
ولكن مع الابتعاد الزمني عن عصر النزول، أصبح فهم القرآن أكثر صعوبة. ولم تكن المسألة مقصورة على اللغة العربية فقط، بل تجاوزتها إلى قضية الثقافة في عصر النزول وما تحمله من دلالات. فاللغة مشبعة بالثقافة، ومع غياب المعرفة بثقافة زمن النزول لا يتأتى الفهم الصحيح لبعض آيات القرآن. وحتى نحو القرن التاسع عشر الميلادي، لم يكن هذا التغير الثقافي كبيرًا. ولكن منذ أواخر القرن التاسع عشر—وهي فترة مواجهة المسلمين للحداثة—أصبحت مقارنة القرآن بمقتضيات العصر الحديث تثير أسئلة جديّة أمام المسلمين والباحثين في القرآن. والمراد من كلمة «اليوم» في سؤالنا الرئيس هو تحديدًا ما بعد أواخر القرن التاسع عشر، أي: القرنين العشرين والحادي والعشرين. ففي هذه المدة—التي تقرب من قرن ونصف—يتعين علينا أن نسأل: كيف نفهم القرآن الكريم؟

وفي أوساط العلماء المسلمين، يرى فريق —يوصفون بالتقليديين أو المحافظين— أن هذا السؤال سؤال لا محل له. فمن وجهة نظرهم، لم يقع شيء جديد يستدعي طرح مثل هذا السؤال. ويعتقدون أن العلوم الإسلامية التراثية — من فقه، وأصول، وكلام، وتفسير—  قادرة، بمناهجها التقليدية نفسها، على الإجابة عن المسائل الجديدة. وبناء على ذلك، يرون أنه يجب أن نفهم القرآن كما فهمه السلف الصالح، وأن نهج الاجتهاد التراثي في الفروع الفقهية ما زال فعالًا وكافيًا.

ومع كل الاحترام للعلماء التقليديين—الذين لا زالوا ، فيما يبدو، يشكلون الأغلبية في جميع المذاهب الكلامية والفقهية الإسلامية— ومع الاعتراف بما قدموه من خدمات جليلة في الماضي، فإني أرى أن هذا المنظور يواجه في عصرنا الحاضر مشكلات عديدة ومعقدة.
ومن موقعي كمسلم تجديدي أو إصلاحي، أحاول أن أقدم إجابتي عن هذا السؤال.

٣. بعض طرق سوء فهم القرآن

قبل الإجابة المباشرة عن السؤال الرئيس، أرى لازمًا أن أجيب عن سؤال تمهيدي آخر، تمهيدًا للطريق إلى الجواب الأساسي، وهو: كيف لا نفهم القرآن الكريم اليوم؟ أو بعبارة أخرى: ما الطرق في فهم القرآن أو تفسيره التي لا أوصي بها؟ وأي الطرق يؤدي اتّباعها إلى إبعادنا عن الفهم الدقيق للقرآن الكريم؟

نحن جميعًا نعرف النهي عن «التفسير بالرأي» على لسان النبي ﷺ: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» (روي عن ابن عباس، سنن الترمذي).

والمراد بالتفسير بالرأي هو فرض معنى على القرآن غير المراد الإلهي. وغالبًا ما لا تكون لهذا المعنى المفروض علامة واضحة تمكن من التفريق بينه وبين المعنى الصحيح للنص. ويمكن القول إن ميولنا الشخصية والجماعية تعد من جملة العوامل التي قد تؤدي إلى التفسير بالرأي، وبالتالي إلى سوء فهم القرآن.

ومن جهة أخرى، فإن التفاسير التي كتبت انطلاقًا من تخصص واحد، لا تمثل منهجًا موَصى به في فهم القرآن. فعلى سبيل المثال، من يجعل فهم القرآن منحصرًا في الصناعات الأدبية، ككتاب «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج، فإنه يقزّم أفق الفهم.

وكذلك بعض التفاسير العلمية للقرآن، التي سعت إلى إثبات التوافق المفرط بين الكتاب المقدّس والعلوم التجريبية الحديثة، أو إلى إثبات ما يسمى بالإعجاز العلمي، فإنها —من حيث لا تشعر— قد فرضت معاني غير صوابية على القرآن. ولعل كتاب «الجواهر في تفسير القرآن» لطنطاوي جوهري يكون مما يمكن أن يذكر في هذا السياق.

وكذلك المفسر الذي تكون قضيته المركزية هي التغيير السياسي —ولا سيما إقامة العدالة وتأسيس الدولة الإسلامية عبر الثورة— فإنه في فهمه للقرآن أو في تفسيره يبرز أمورًا قد لا تكون هي المقصود الأصلي للكتاب. والمراد هنا هو ما يعرف بالتفاسير الثورية أو الإسلام السياسي. ولعل كتاب «تفهم القرآن» لأبي الأعلى المودودي، و«في ظلال القرآن» لسيد قطب، يمكن أن يذكرا في هذا الإطار.

وعلى هذا النهج نفسه، فإن من يفسّر جميع الآيات تفسيرًا باطنيًا عرفانيًا صوفيًا، ككتاب «حقائق التفسير» للسلمي، أو تفسيرًا فلسفيًا، كما في رسائل إخوان الصفا، أو تفسيرًا كلاميًا، كـ«تأويلات القرآن» للماتريدي أو «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي، أو تفسيرًا فقهيًا، كـ«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي—فإنهم جميعًا يقعون في هذا المحذور.

ولا شك أن القرآن كتابٌ ذو أبعاد متعددة، يشمل أبعادًا أدبية، وعرفانية، وفلسفية، وكلامية، وفقهية، وغير ذلك؛ ولكن فَهْم جميع الآيات وتفسيرها فهمًا أحادي البعد يعدّ عائقًا أساسيًا أمام الفهم الصحيح للقرآن.

ومن زاوية أخرى، فإن من يجعل اعتماده الرئيس في تفسير القرآن على الروايات وأقوال الصحابة والتابعين —أي ما يعرف بالتفسير الروائي أو المأثور— قد يكون أيضًا من مصاديق سوء فهم القرآن. فإن أكثر الروايات الموجودة هي من أخبار الآحاد، وحجية أخبار الآحاد نفسها محل نقاش وتشكيك جدي في المباحث الفقهية، فكيف بالمباحث غير الفقهية؟ وكذلك أقوال الصحابة والتابعين لا يمكن الاعتماد عليها إلا بعد فحصها فحصًا تاريخيًا نقديًا.

ولا أنكر أن بعض الآيات يمكن أن يفهم فهمًا أفضل بمساعدة بعض الروايات المعتبرة، ولكن المحل المهم للنقاش هو أن معيار فهم القرآن ليس هو الروايات النبوية ولا أقوال الصحابة والتابعين، بل على العكس، فإن معيار قبول هذه الروايات والأقوال هو عدم معارضتها للمحكمات من القرآن.

وإن التفسير الحرفي للقرآن، أو الاكتفاء بالمعنى اللفظي للآية دون الالتفات إلى سياقها وزمانها، أو فصل الآية عن بيئتها التاريخية، يؤدي إلى أنواع متعددة من سوء الفهم، بل وقد يكون ذلك في تعارض صريح مع المقصود الإلهي.

ومن أبرز أسباب القصور في فهم آيات القرآن هذا المنهج بذاته. فلا يصح —من خلال تفسير حرفي لآية واحدة— الاستناد إلى تعميم مضمونها أو إطلاقها لإصدار حكم عام.

ومن ذلك —على سبيل المثال— فهم آيات أوائل سورة التوبة، وتعميم الآيات التي نزلت في المشركين الناقضين للعهود في الحجاز، الذين بادروا بالهجوم على النبي ﷺ، لتجعل دليلًا على جواز بل وجوب قتال جميع المشركين والكفار وأهل الكتاب، بل جميع غير المسلمين، في كل زمان ومكان، بغرض إدخالهم في الإسلام.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ﴿التّوبة: 4﴾.

وهذا الفهم يغفل عن القرائن المتصلة في الآيات السابقة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿التّوبة: 1، 3﴾، وهو نصّ صريح في أن هذه الآيات تتعلق بمشركين معينين زمانًا ومكانًا، ولا تصلح للتعميم على جميع المشركين، فكيف بجميع غير المسلمين؟

إن هذا السوء البيّن في الفهم قد أدى إلى تحريف معنى الجهاد القرآني —وهو في جوهره دفاعي— إلى ما يسمى بـ«الجهاد الهجومي [الإبتدائي]». وقد وقع هذا التحريف، مع الأسف، من قبل عدّة فئات: بعض المفسرين في عصور الفتوحات التي كان المسلمون فيها بحاجة إلى مستند قرآني، ومن جانب الإسلام السياسي المعاصر، ومن جانب بعض الجماعات الجهادية المشبوهة، وكذلك من بعض المجددين المتساهلين، ومن قبل غالبية المستشرقين.

وإن ذكر مثال واحد عن كل فئة من هذه الفئات يحتاج إلى مقام آخر، بل إلى محاضرة مستقلة. وقد أفضت سوء الفهوم هذه إلى تشويه الصورة الرحمانية للقرآن والإسلام، وتقديمهما على أنهما دين خشن وكتاب حروب.

٤. أصول أربعة لفهم القرآن في العصر الحديث

والآن حان الوقت للدخول في الجواب عن السؤال الرئيس. وسأشير في هذا السياق إلى عدة معايير أساسية:

أولًا: بدلًا من التفسير الحرفي، يجب أن يفهم القرآن الكريم في «زمانه وسياقه». وإن فهم سياق الآيات وزمان نزولها مرهون بدراسات فوق قرآنية، كالدراسات التاريخية.

على سبيل المثال، فان آية تعدد الزوجات: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾(النساء 3) جاءت في مقام تقييد تعدد الزوجات والحد منه، لا في مقام التشجيع عليه، وذلك بقرينة صدر الآية المتعلق باليتامى، وبقرينة التأكيد على العدل في ذيلها، والتشجيع على الاكتفاء بزوجة واحدة. ويؤكد ذلك أيضًا تعليق تحقيق العدل على ما هو غير ممكن، في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. (النساء 129)

وكذلك الآيات المتعلقة بالستر، فإنها إذا أخذت في خارج زمانها وسياقها أفضت إلى أحكام أو تعميمات غير منضبطة. قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، (النور 31)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. (الأحزاب 59)

فإن مراعاة العفة وستر مواضع الزينة للنساء إلزام قرآني، أما استنباط وجوب ستر الراس لجنس النساء من القرآن، دون بحث في طرائق لباس نساء الطبقات الأرستقراطية في روما وإيران القديمتين، ودون دراسة التمييز بين ستر الأَمَة والمرأة الحرة، فأمر في غاية الصعوبة. والبحث المستوفي في هذا المجال يحتاج إلى مقام ومقال آخريْن.

ثانيًا: لفهم أيّ آية، لا بد من الرجوع إلى جميع الآيات المتشابهة والمتحدة في الموضوع، والاستفادة من منهج «تفسير القرآن بالقرآن». أي انه حتى في التفسير الترتيبي، يكون التفسير الموضوعي لمفردات الآية ومفاتيحها أمرًا لا غنى عنه.

إن الاقتصار على آية واحدة، وإغفال باقي الآيات المتعلقة بالموضوع نفسه — ولو بألفاظ مترادفة — يمنعنا من الوصول إلى الفهم الصواب. ومن بين المفسرين المعاصرين الذين طبقوا هذا المنهج في تفاسيرهما، يذكر ابن عاشور في «التحرير والتنوير»، ومحمد حسين الطباطبائي في «تفسير الميزان».

ثالثًا: إن الفهم الصحيح للقرآن مرهون بإدراك «روح القرآن». فمَن يتمسّك بـ«قشر القرآن» دون أن يلمس روحه، فقد ضلّ الطريق. وإن الالتفات إلى روح القرآن يجنبنا الانشغال بالحواشي الزائدة، ويوجهنا إلى جوهر المسالة.

واستخراج روح القرآن عمل علمي اجتهادي، يتطلب إشرافًا وممارسة عميقة في المعارف الإسلامية. ومِن أبرز مَن أكد على ضرورة هذا المنهج في فهم القرآن هو فضل الرحمن في كتابه «المسائل الكبرى في القرآن الكريم»، وتتوفر له ترجمة عربية.

ومن تطبيقات روح القرآن في الفهم الصواب، الآيات المتعلقة بحقوق المرأة. فاذا انتهينا إلى أن روح القرآن يعترف بالمرأة إنسانًا ذا حقوق مساوية للرجل، فإن فهمنا للآيات المثيرة للجدل في هذا المجال سيتغير تغيرًا جذريًا.

وروح القرآن كاشف كالنور، ينير زوايا كثيرة بقيت معتّمة في الآيات. وكذلك، اذا انتهينا إلى أن روح القرآن مؤسس على كرامة النوع الإنساني، فإن ذلك يؤثر تأثيرًا عميقًا على فهمنا لطبيعة العلاقات بين الأديان.

وإذا رأينا أن روح القرآن يقوم على عدم الإكراه في الدين، وعلى الحرية الدينية، والاعتراف بتعدد الأديان، أو أنه يقوم على العدل والقسط والإنصاف في جميع العلاقات البشرية، وبالأخص في جميع أفعال الله، فإن فهمنا لكثير من الآيات سيتحول تحولًا جوهريًا.

ففي الحقيقة، إن روح القرآن يقدّم لنا إطارًا نظريًا، وهذا الإطار ينظّم فهمنا ويقوّمه. ويعلّمنا الالتفاتُ إلى روح القرآن أن بعض الآيات في كل موضوع تُعد «غُررًا»، وأن الآيات الأخرى تُفهَم وتُفسَّر في ضوء تلك الغُرر، على نحو يشبه رد الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة.

رابعًا: إن الله تعالى قد بيّن في القرآن أمورًا لحلّ مشكلات عصر النزول ومخاطبيه الأولين، وقد لا تكون لها قابلية التطبيق في أزمنة أخرى. وتندرج هذه الموارد في إطار العرفيات والمتغيرات المرتبطة بأصل النزول، ولا تعدّ من المحكمات ولا من ذاتيات الكتاب.

ومع أنه لا فرق بين الآيات من حيث التلاوة، إلا أن الفرقَ قائمٌ بينها من حيث الحكم؛ فمنها ما هو فوق زماني، ثابت ودائم، ومنها ما هو زماني متغير. وإن إلهية القائل وعلمه المطلق لا تستلزمان ثبات أحكام جميع الآيات.

وإن تقسيم أحكام الآيات إلى ثابتة ومتغيرة يساهم في حل كثير من الإشكالات، في حين أن المقاربة التراثية المحافظة، التي لا تقبل هذا التقسيم وتعد جميع الآيات ذات أحكام ثابتة ودائمة، تقع في مآزق لا مخرج منه.

فعلى سبيل المثال، فإن نظام العبيد والإماء من المتغيرات في القرآن، وليس من الثوابت. ومن يستنتج من الآيات التي ورد فيها قوله تعالى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأمثالها جواز الاسترقاق في زماننا، فقد فهم القرآن فهمًا غير صحيح.

ولذلك، نحتاج إلى معيار دقيق للتفريق بين الثوابت والمتغيرات، وبين العرفيات والذاتيات في الكتاب.

٥. ماذا ننتظر من القرآن؟

إن الفهم الصواب لِلقرآن مرهون بمعرفة سابقة بانتظاراتنا منه؛ فهذه الانتظارات تسهم في تشكيل فهمنا للآيات، وتمنع من التعميمات والإطلاقات غير المنضبطة. وهي على صلة وثيقة بروح القرآن، وهي نتاج إشراف شامل على جميع أبعاد القرآن والمعارف الإسلامية.

ودعوني أشير إلى مثال محسوس: قد يتوهّم بعضهم، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿النحل: ٨٩﴾، أنّ القرآن يقدّم مفتاح حل كلّ مشكلة. فهل قوله «تبيانًا لكل شيء» على إطلاقه وعمومه، بحيث يشمل جميع الأمور من كل جهة؟

فمثلًا، هل يمكن أن نرجع إلى القرآن لنعرف في علم الفيزياء أي النظريتين أصح في الضوء: نظرية الفوتون أم نظرية الموجات؟ وبعبارة أخرى، هل يصح أن نتوقع من القرآن تقديم منهج في العلوم التجريبية الحديثة؟

إن هذا هو الخلل البنيوي في بعض التفاسير العلمية للقرآن، حيث ينطلق أصحابها من مسلّمة خاطئة، وهي أن القرآن كتاب علم تجريبي.

وعندما لا ننتظر من القرآن علومًا تجريبية، فإننا لا نبحث عنها في آياته، وندرك أن ذكر بعض الأمثلة ذات الطابع التجريبي— من قبيل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ۝ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿الغاشية: 21–17﴾ — إنما جاء متناسبًا مع معرفة المخاطب التجريبية في عصر النزول، ولا يصح أن يتخذ دليلًا على أن هذا هو سقف المعرفة التجريبية في كتاب الله.

نعم، إن القرآن يدعو أتباعَه إلى تعلّم العلوم التجريبية، لا باعتبارها غاية في ذاتها، بل بوصفها طريقًا لتعميق المعرفة بقدرة الله وعلمه.

وعلى المنوال نفسه، لا يصح أن ننتظر من القرآن حلولًا للمشكلات الاقتصادية، كمشكلة التضخم. أي لا يصح أن نعدّ القرآن كتاب علوم إنسانية أو اجتماعية. ومتى ما كنّا لا نحمل هذا الانتظار على القرآن، فإننا لا نبحث فيه عن مقومات نظام اقتصادي متكامل، ومن ثم نعلم أن ذكر بعض الأحكام — مثل إباحة البيع وتحريم الرّبا— لا يعني تقديم نظام اقتصادي شامل.

وكذلك يرد في القرآن بعض الأمثلة الفقهية أو القانونية، كبعض الحدود الشرعية. وإنما ذكرت هذه الأحكام بغية إدارة مجتمع عصر النزول، وهي تُعد من المتغيرات في القرآن، ولا يحكم بثبوتها إلا بدليل. وهذا لا يعني أن القرآن كتاب فقه أو قانون؛ إذ أن مجموع هذه الآيات لا يتجاوز خمسين آية، أي أقل جزء من ألف آية من آيات القرآن الكريم.

والقرآن — بحسب تعريفه لنفسه —  هو كتاب هداية ورحمة ونور. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ ﴿البقرة: 185﴾،
وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿العنكبوت: 51﴾، وقال: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ﴿إبراهيم: 1﴾.

وهو كتاب يشتمل على أساسيات التعاليم اللازمة لهداية البشر إلى نهاية التاريخ؛ وهذه التعاليم لا توجد في أيّ علم تجريبي، ولا في العلوم الإنسانية أو الاجتماعية، بل لا توجد — بتفاصيلها— حتى في أيّ نظام فلسفي أو عرفاني.

إن الذي يجعل القرآن قرآنا هو هذه التعاليم الرائدة، لا الأمور التي يقدر العقل البشري—بما أوتي من نعم إلهية — على تحصيلها بنفسه.

وعلى هذا الأساس، فإن أحد المسلّمات المنهجية للفهم الصواب للقرآن هو حصر الانتظارات في مجال الهداية البشرية. فالقرآن تبيان لكل شيء «يرتبط بالهداية البشرية».

وهذا تقييد عقلي، وهو أيضًا مستظهر نقلًا، مستفاد من مجموع آيات القرآن الكريم.

٦. ضرورة التفريق بين الثابت والمتغير في القرآن

إن من أهم مفاتيح فهم القرآن التعرف على ما فيه من المتغيرات؛ ويمكن أن نقول إن جميع آيات القرآن عند نزولها كانت متّسقة مع عقلانية ذلك العصر، عقلائية، عادلة، وأخلاقية، وأنها —فيما يتعلق بالتعاليم العملية— كانت أكثر كفاءة ونجاعة بالمقارنة مع سائر النظم القائمة آنذاك.
وإن دخول المشركين وأهل الكتاب في الإسلام جماعات وأفواجًا —كما قال تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ﴿النصر: 2﴾ —  إنما كان بسبب مزايا هذه التعاليم القرآنية والإسلامية. فلم يكن إيمانهم إيمانًا تعبديًا أو توقيفيًا، ولا تقليديًا أعمى، بل كان إيمانًا نابعًا من إدراكهم لمزايا حقيقية في القرآن والإسلام. فقد كانت الآيات والأحكام القرآنية، وفق موازين عصر النزول، عقلائية، عادلة، أخلاقية، وفعالة. وهذه الموازين هي موازين عقلائية وفطرية، يتطلب قبولها عقلًا سليمًا وفطرة نقية، ولا تحتاج في أصلها إلى نصّ شرعي أو رواية. فَمَن رجع إلى فطرته وضميره، أدرك صحتها؛ وبعبارة أخرى، فهي بديهيات. وقد كانت جميع الآيات والأحكام، وفق عقلانية زمن الظهور، مستوفية لهذه المعايير الأربعة. واليوم، إذا قسنا الأحكام القرآنية — وهي كلها تتعلق بمجال المعاملات الفقهية —  بهذه المعايير الأربعة وفق عقلانية عصرنا، تبين أن بعضها لا يتصف بواحد أو أكثر منها، أو ربما يفتقدها جميعًا؛ أي أنه لا يكون عقلائيًا، ولا عادلًا، ولا أخلاقيًا، ولا كفوءًا. ولنأخذ —على سبيل المثال— جميع الأحكام الجنائية القرآنية التي تعد من الحدود الشرعية: عقوبة الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ﴿النور: 2﴾، وعقوبة المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ﴿المائدة: 33﴾، وعقوبة السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿المائدة: 38﴾، وحكم القصاص في النفس والأعضاء: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ﴿المائدة: 45﴾.
وكذلك بعض الأحكام المتعلقة بالنساء، مثل جواز ضرب الناشزة: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ﴿النساء: 34﴾، واشتراط رضا المرأة في الزواج دون الطلاق: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ﴿الطلاق: 1﴾، والتمييز الجنسي في الشهادة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ﴿البقرة: 282﴾، وفي الإرث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿النساء: 11﴾.

فهل العقوبات البدنية أو الفيزيائية قابلة للدفاع وفق عقلانية اليوم؟ هل هي عقلائية؟ هل هي عادلة وأخلاقية؟ وهل يمكن الدفاع عنها بالمقارنة مع القوانين العرفية المعاصرة؟ الجواب: لا.
فكيف نفهم هذه الآيات التي تعد من أكثر آيات القرآن إشكالية في عصرنا؟ إن هذه الأحكام، مع كونها في زمنها عقلائية، عادلة، أخلاقية، وكفوءة، لم تعدّ كذلك اليوم.
فإذا عُدّت أحكامًا ثابتة غير قابلة للتغيير، لزم من ذلك القول بأن القرآن يحتوي على أحكام غير قابلة للدفاع في زماننا، وهو موقف يتسم بالدفاع الحرفي القشري، ويفضي عمليًا إلى اتهام القرآن والإسلام بالانتماء إلى زمن قد أفل ومضى ، غير قابل للتطبيق في العصر الحديث، ويشكل مصدر حرج للمسلمين.

وأما الحل الذي توصلت إليه —وقد بسطته في كتابي «حق الناس: الإسلام التجديدي وحقوق الإنسان» — فهو أن جميع هذه الآيات هي كلام الله في التلاوة، لكنها من حيث العمل تُعدّ أحكاما متغيّرة، قد انقضى زمان تطبيقها، أي أنها منسوخة عمليًا، على نحو ما انقضى حكم الرق، الذي ورد في جميع الكتب السماوية، وقام الإجماع على انتهاء صلاحية تطبيقه. وقد أُلغيَت هذه العقوبات الجنائية في جميع الدول الإسلامية —باستثناء ثلاث دول: المملكة العربية السعودية، وإيران، وأفغانستان— منذ قرابة قرن من الزمان.

وكذلك أُلغيت كثير من الحقوق المدنية المتعلقة بالنساء في معظم الدول الإسلامية، وقد شهدت إيران نفسها تغييرات واسعة في هذا المجال. أما وضع السعودية فلا يزال غير واضح، وهو في طور التغيير. ولا تزال هذه الأحكام تُطبق بصورتها الحرفية فقط في أفغانستان في ظل حكم طالبان. وبعبارة أخرى، فإن الغالب في العالم الإسلامي هو التعامل مع هذه الأحكام على أنها «منسوخة عمليًا». فلماذا لا نبيّن ونعلن نسخها نظريًا أيضًا؟ وهذا النسخ نسخ عقلي لا نقلي؛ وهو نسخ في الحكم، لا نسخ في التلاوة. أما النسخ النقلي في التلاوة فلا يكون إلا بالقرآن نفسه، لا غير. وإنما عُطل العمل بهذه الأحكام المعدودة لأنها، وفق عقلانية العصر، غير عقلائية، ولا عادلة، ولا أخلاقية، ولا كفوءة. وبقبول كونها أحكامًا متغيرة ومنسوخة في الحكم — لا في التلاوة — يحل الحكم العرفي العقلائي محلها، من دون أن ينسب هذا الحكم الجديد إلى الإسلام.

ومن الواضح أن نظر العقلاء في الماضي كان شيئًا، وهو اليوم شيء آخر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: أولًا، الرّق، الذي برره أفلاطون وأرسطوطاليس —باعتبارهما ممثلين لعقلانية العصر القديم— بتبرير عقلائي، في حين يُعدّ اليوم أمرًا قبيحًا. وثانيًا، دونية المرأة بوصفها «موقعها الطبيعي»، وقد كان هذا فهم العقلاء في معظم أنحاء العالَم حتى القرن التاسع عشر، ثم أصبحت المساواة القانونية بين الرجل والمرأة هي الموقف العقلائي الإجماعي.

وخلاصة قولي: إن الإقرار بكون هذه الأحكام متغيرة لا ثابتة، ومنسوخة في الحكم لا في التلاوة، أرجح قطعًا من الموقف التراثي المحافظ القائل بثبوتها. وإنْ وَجَدَ أحدٌ أدنى شك في صحة هذا المنهج واعتباره، فيمكن دفع ذلك ببرهان الخلف: فمحال أن يأمر اللهُ عبادَه بأمر غير عقلائي،
ومحال أن يصدر حكمًا ظالمًا، ومحال أن يحكم بما هو غير أخلاقي أو مناقض للأخلاق،
ومحال أن يلزم عباده بقبول ما هو أدنى في الكفاءة، مع إمكان الأرجح. وحتى المذاهب الكلامية كالأشاعرة، والماتريدية، والحنابلة —مع ما تضعه من قيود على الإدراك العقلي في الأحكام الشرعية—  قد سعت عمليًا، عبر نظرية «مقاصد الشريعة»، إلى فتح آفاق جديدة في فقه المعاملات.

ويحق أن يسأل: ألا يقوم الافتراض الضمني لمقاصد الشريعة على الاعتراف —ولو بحدود—  بحجية الإدراك العقلي في تمييز المصالح والمفاسد في الأوامر والنواهي الشرعية؟ وإذا كانت المعاملات الفقهية غير تعبدية ولا توقيفية — وهو كذلك — وإذا كانت مقاصد الشريعة مقبولة، فلماذا لا يكون التفريق بين الثابت والمتغير، والقول بالنسخ العقلي للأحكام المتغيرة، حلًا مقبولًا؟

٧. الثوابت الثمانية في القرآن

في الفقرة السابقة تناولنا الحديث عن المتغيرات الدينية، وقد آن الأوان لعرض رؤوس المطالب فيما يتعلق بالثوابت الدينية والقرآنية. إن الالتفات إلى هذه الزاوية يساهم إسهامًا كبيرًا في تحقيق الفهم الصواب للقرآن. وإن ثوابت القرآن، أو ضروريات الإسلام، لا تخرج —على الأقل— عن هذه الأمور الثمانية:

١. إضفاء المعنى على الحياة

وهو أعظم تعليم في القرآن، وبقدر بلوغ الإنسان هذا المعنى تتحدد قيمته. ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ﴿البقرة: 138﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ﴿الأنفال: 24﴾، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ﴿النحل: 97﴾، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ﴿فاطر: 10﴾.

٢. معرفة المبدأ (الله تعالى)

فالله هو روح الأرواح أو محبوب القلوب، والتوحيد هو عمود خيمة الإسلام، وأكثر من نصف آيات القرآن تدور حول الله تعالى. ولو أريد أن يطلق على القرآن اسم آخر لكان «كتاب الله». فالحياة بلا الله بلا معنى. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ۝ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الحشر: 24–22﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿النساء: 48، 116﴾، ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ﴿الأنعام: 12﴾.

٣. معرفة المعاد

إن أكثر من ألفي آية في القرآن تتحدث عن الآخرة والقيامة والحياة بعد الموت. ولو لا القرآن والوحي لكنا جاهلين بتفاصيلها. وإن ركن معنى الحياة الأساسي مرتبط بمعرفة المعاد.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ﴿البقرة: ٤﴾،
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿المائدة: 69﴾.

٤. معرفة عالم الغيب

إن عالَم الشهادة بالنسبة إلى عالَم الغيب كقطرة إلى بحر. والإيمان الإسلامي بلا إيمان بالغيب إيمان فارغ من مضمونه. وكل فهم للقرآن يحوّل الدين إلى أمر أرضي ويطّبع الميتافيزيقا فهو فهم متکلّف وغير صواب. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿البقرة: 2﴾،
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ﴿هود: 123﴾،
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ﴿الرعد: 9﴾.

٥. ضمان الأخلاق

إن صحة القضايا العقلية أمر قبل ديني، إلا أن الإيمان الديني هو أعظم ضامن لتطبيق الأخلاق. وفي مواضع تزاحم القيم الأخلاقية —وهو أمر شائع— يكون للوحي والقرآن دور حاسم. وإن فهم القرآن دون التزام أخلاقي يؤدي إلى فهم متکلّف. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ﴿النساء: 135﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿القلم: 4﴾، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ﴿الأحزاب: 21﴾.

٦. المناسك والعبادات

عبادة الله علاقة شخصية بين الإنسان وربه، وكل فهم للقرآن لا مكان فيه لعبادة الله فهو فهم متکلّف. والعبادات —أو التعبديات— تمثل النواة الثابتة للدين، وهي غير قابلة للتغيير.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿الحج: 77﴾،
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿الأنفال: 3﴾،
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ﴿البقرة: 186﴾.

٧. شبه المناسك

وهي التوقيفيات غير التعبدية، وتعدّ من الثوابت الدينية. وتشمل المأكولات والمشروبات والمنكوحـات؛ أي حدود الحلال والحرام في الطعام والشراب والعلاقات الجنسية.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ﴿البقرة: 168﴾،
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴿البقرة: 173﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ﴿المائدة: 90﴾،
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ﴿المؤمنون: 7–5﴾.

٨. قواعد المعاملات

والمعاملات هي الجانب العملي من التعاليم الإسلامية، وهي غير تعبدية ولا توقيفية. وقواعدها عقلائية وثابتة، في حين أن جزئياتها زمانية ومتغيرة. ومن ثم فإن التفريق بين قواعد المعاملات باعتبارها ثوابت، وبين جزئياتها باعتبارها متغيرات، أمر ضروري في فهم القرآن. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ﴿المائدة: 1﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ﴿المؤمنون: ٨﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ﴿البقرة: 275﴾، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ﴿الأنعام: 152﴾،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ ﴿المائدة: 8﴾.

وإن ما يُنتظَر من الدين والقرآن —باعتبارهما ثوابت صالحة لكل زمان ومكان—  لا يخرج عن هذه الأمور الثمانية. وفي فهم القرآن يجب إيلاء هذه الثوابت عناية خاصة، باعتبارها أركان الدين. فهذه الثوابت —التي تشكّل القسم الأعظم من آيات القرآن—  تساعدنا على فهم روح القرآن، وعلى تقديم فهم متوازن للقرآن، ومن ثم للإسلام. وفي هذا الفهم المتوازن يكون النصيب الأكبر للأركان النظرية الأربعة: إضفاء المعنى على الحياة، ومعرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، ومعرفة عالَم الغيب.

وأما الأركان العَمَلية فهي: الأخلاق، والمناسك، وشبه المناسك، وقواعد المعاملات.
وفي الفهم المتوازن يجب أن يتصدّر الإيمان بالله واليوم الآخر، مع العمل الصالح —وهو مركّب من العمل الأخلاقي، والمناسك، وشبه المناسك. أما إذا جُعلت الفروع الفقهية في موضع الصدارة بدل هذه الأصول والأسس، فلنعلم عند ذلك أن فهمنا فهم غير متوازن وغير صواب.

النتيجة

تخلص هذه المحاضرة إلى أن الفهم الصحيح للقرآن الكريم في العصر الحديث يقتضي الوصول إلى”فهم متوازن“ يضع الأمور في نصابها الصحيح. ويمكن تلخيص النتائج والختام في النقاط التالية:

حصر الانتظارات في الهداية: إن القرآن الكريم هو”كتاب هداية ورحمة ونور“، وليس كتابًا للعلوم التجريبية أو الاقتصادية أو القانونية التفصيلية. لذا، فإن الفهم الصواب يحصر التوقعات من القرآن في مجال الهداية البشرية وما يوصل الإنسان إلى السعادة الأبدية.

روح القرآن كمعيار: إن إدراك “روح القرآن” القائمة على الكرامة الإنسانية، والعدل، وعدم الإكراه في الدين، يعد إطارًا نظريًا ينظم الفهم ويساعد في رد الآيات المتشابهة أو الجزئية إلى المحكمات والغرر القرآنية.

التفريق بين الثابت والمتغير: من أهمّ نتائج البحث ضرورة التمييز بين ما هو ثابت في القرآن وما هو متغير مرتبط بسياق عصر النزول وعقلانيته. فالأحكام التي كانت عقلانية وعادلة وأخلاقية وكفوءة في زمنها، كأحكام الرق أو بعض العقوبات البدنية، ولم تعد كذلك اليوم، تعتبر “منسوخة عقليًا” في الحكم لا في التلاوة.

التركيز على الثوابت الثمانية: يرى الباحث أن جوهر الرسالة القرآنية يكمن في ثمانية ثوابت تمثل أركان الدين وصالحة لكل زمان ومكان، وهي: (1) إضفاء المعنى على الحياة، (2) معرفة الله، (3) معرفة المعاد، (4) معرفة عالَم الغيب، (5) الأخلاق، (6) المناسك والعبادات، (7) شبه المناسك (الحدود في المأكل والمشرب والمناكح)، (8) قواعد المعاملات.

هرمية الفهم المتوازن: في الفهم المتوازن، يجب أن تحظى الأركان النظرية الأربعة (معنى الحياة، المبدأ، المعاد، الغيب) بالنصيب الأكبر، ويأتي على رأسها الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. ويحذر الباحث من أن جعل الفروع الفقهية في صدارة الاهتمام بدل هذه الأصول يؤدي إلى فهم غير متوازن وغير صواب.

بناء على ما سبق، فإن المنهج المقترح يسعى إلى تقليل دور المتلقّيِ لصالح اكتشاف مراد الله، مع الاعتراف بأن أسئلة وتوقعات إنسان اليوم تختلف عن أسلافه، مما يستدعي اجتهادًا يتجاوز المقاربات التقليدية المحافظة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تم إلقاء المحاضرة بحضور ثمانية من أساتذة جامعات الزيتونة ومنوبة، وجمع من طلاب الدراسات العليا بجامعة الزيتونة، وبعض المهتمين بهذه المواضيع في مدرّج ابن عرفة بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية. بعد ذلك، طرح عشرة من الأساتذة والباحثين الحاضرين وجهات نظرهم على شكل تعليقات أو أسئلة لمدة ثلاث ساعات، وأجاب المحاضر بإيجاز.

كيف-نفهم-القرآن-اليوم؟.pdf