تأملات رمضانية في أثناء الحرب

شرح أربع نقاط أساسية

لقد عرضتُ النقاط الرئيسية لمواقفي في الجلسة الأولى، وهي:«العدوان العسكري على إيران وواجبنا: تأملات في أثناء الحرب» 9 آذار/مارس 2026. وفي هذه الجلسة أُقدّم تفصيلًا لبعض تلك العناوين. إلى جانب الدعاء والمناجاة وسائر الأعمال المستحبة في ليلة القدر، فإن الالتفات إلى هذه النقاط ضروري عقلًا لِبقاء الوطن والأُمة، وواجب شرعًا. وفي هذه الجلسة، وبعد ملاحظة تمهيدية، سأشرح أربع نقاط: «ضرورة إبراماتفاق فوري لوقف الخصومة»، و«الامتناع الجاد عنتوسيع نطاق الحرب»، و«ضرورةالاهتمام الجاد بحفظ أرواح الناس»، و«تقديمدفع العدوان الخارجي على مكافحة الاستبداد الداخلي».

ملاحظة تمهيدية:

قبل نحو عامين ابتعدتُ عن الانخراط في قضايا السياسة اليومية من أجل التفرغ لأعمال أكثر ضرورة؛ انظر: مع المخاطَبين الأصدقاء: الابتعاد عن السياسة اليومية في (24 آذار/مارس 2024). وما زلتُ ملتزمًا بذلك العهد. ولكن ما أقوله في هذه الأيام يتجاوز السياسة اليومية؛ فهو من قبيل ما ذكرته في «تأملات تتخطّى السياسات اليومية حول المصالح الوطنية: طلب الحق في حدود الممكن في مواجهة الاستبداد المنفلت» في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2024، و«تأملات بعد حرب الاثني عشر يومًا: ماذا يمكن أن يُفعل؟» في 30 حزيران/يونيو 2025. إن هذه التأملات والتعبير عنها لا يتوقف أبدًا، وستستمر بوصفها أداءً لواجب وطني وأخلاقي وديني.

أولًا: ضرورة إبرام اتفاق فوري لترك الخصومة

إن أهم مطلب استراتيجي وطني هو إنهاء العدوان. خلال الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية العراقية، قامت الولايات المتحدة، بتحريض من إسرائيل، بغزو إيران عسكرياً، وطالبت بوقاحة باستسلامها غير المشروط. إنهم يحلمون بتدمير النظام القائم، وإشعال حرب أهلية، وتقسيم إيران. إن إيران، بحق، لا تسعى إلى وقف إطلاق النار ولا إلى التفاوض إذا كان الهدف أن يستعيد المعتديان قواهما ثم يعاودا الهجوم على إيران. وقف إطلاق النار (Ceasefire) هو إيقاف مؤقت للحرب، وعادةً ما يكون يقتصر على المستوى العسكري في بعض المناطق، ويتم تنفيذه لغرض التفاوض. يجب علينا السعي إلى وقف فوري لإطلاق النار، والأهم من ذلك، إلى إبرام اتفاق «لِلهدنة» في أسرع وقت ممكن.

إن اتفاق الهدنة(Armistice) هو اتفاق أكثر رسمية، وذو طابع قانوني وأطول أمدًا، ويوقف الأعمال العدائية بشكل كامل، وإنْ لم تُعلن نهاية حالة الحرب رسميًا بعد، بل يمهد لِلانتقال إلى سلام دائم. وينبغي أن يكون اتفاقًا يقيّد الولايات المتحدة وإسرائيل بعدم تكرار العدوان، مع ضمانات دولية كافية.

ومع أن إسرائيل في جوهرها دولة معتدية، وأن أمريكا في عهد ترامب أثبتت أنها غير ملتزمة بتعهداتها الدولية، إلا أنني-لأسباب سأذكرها لاحقًا-أرى أن القرار الأنسب للحفاظ على سلامة الأراضي والاستقلال ومنع استمرار الخسائر البشرية الفادحة والأضرار اللامحدودة بالبنية التحتية لِلبلاد هو الإسراع بإبرام اتفاقية هدنة مع الولايات المتحدة. ومن غير المرجح أن تقبل إسرائيل بأي اتفاق، كما لم تقبل به في غزة. وفي الوقت الحاضر تبدو إسرائيل والولايات المتحدة كأنهما روح واحدة في جسدين.

ثانيًا: الامتناع الجاد عن توسيع نطاق الحرب

إن الدفاع المشروع عن الأرض وسلامة الأراضي والاستقلال والشعب حقٌّ وواجب وطني وأخلاقي وديني. ولا أدنى شك في هذا الأصل الأساسي. إن القوات المسلحة في البلاد تدافع عن أرواحنا وأموالنا وأعراضنا، والشعب ممتن لها.

لكننا في موقف دفاعي، والهجوم على أي مكان انطلقت منه الاعتداءات الأمريكية-الإسرائيلية على أرضنا جائز من الناحية القانونية والأخلاقية والشرعية. وبصورة أدق، فإن الهجوم على الأراضي الإسرائيلية بوصفه ردًا بالمثل -مع استثناء استهداف المدنيين والمنازل السكنية والمدارس والمستشفيات والآثار التاريخية والمنشآت الرياضية- وكذلك الهجوم على القواعد البرية الأمريكية في بلدان الخليج الفارسي المختلفة، أو على السفن الحربية الأمريكية التي تبادر إلى مهاجمة الأراضي الإيرانية، هو أمر جائز.

أما الهجوم على البنية التحتية لدول الخليج الفارسي مثل المنشآت النفطية والمصافي، ولا سيما السفارات الأمريكية في المنطقة، فبأي منطق يتم، وأي مبرر قانوني أو أخلاقي أو شرعي له؟ أليس هذا استمرارًا لِلسياسات المغامِرة الخاطئة السابقة؟ ألن يؤدي ذلك إلى دعاية مضادة وإلى إجماع عالمي ضد إيران؟

وهذا هو في الواقع الموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية الإيرانية، وإن كان قد عبّر عنه بلغة لم تكن مناسبة تمامًا. فهل يَشرف المجلس الأعلى للأمن القومي على مثل هذه التصرفات الارتجالية الضارة بالمصالح الوطنية؟ إن توسيع الحرب ليس في مصلحتنا بأي وجه من الوجوه، ويجب منعه فورًا.

ثالثًا: ضرورة الاهتمام الجاد بحفظ أرواح الناس

نحن في حالة دفاع مشروع في مواجهة المعتدين الإمبرياليين والصهاينة، وكان هذا العدوان متوقَّعًا. وكانت الحكمة وبُعد النظر يقتضيان أن تكون قد اتُّخذت التدابير اللازمة، على الأقل في ثلاثة مجالات. أولها إنشاء الملاجئ اللازمة في جميع المدن والمناطق، ولا سيما في طهران الكبرى. على الرغم من أنّ الهجمات الصاروخية والطائرات المسيَّرة الإيرانية على إسرائيل كانت شديدة لِلغاية، فإن العدو الصهيوني -بسبب توفر الملاجئ الكافية- تكبّد، وفق الإحصاءات الرسمية للطرفين، خسائر بشرية تعادل نحو واحدًا على خمسين من خسائر إيران. إن بناء الملاجئ لا يحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة من قبيل صناعة الطائرات، بل يحتاج إلى حُسن التخطيط والتدبير والاستشراف الوقائي لا غير. وهذا ناشئ عن عدم الكفاءة وسوء الإدارة العليا في البلاد، ولا علاقة له بالعقوبات أو بالاستكبار العالمي.

وإلى جانب الملاجئ، فإن الغالبية العظمى من مدننا تفتقر إلى نظام إنذار أو صفارات إنذار، وهو أمر كنا نملكه في زمن الحرب مع نظام صدّام. وفائدته تمكين الناس من اللجوء إلى أماكن أكثر أمانًا لِتقليل الخسائر البشرية. ويبدو أن عدم امتلاك نظامرادار متطور في مواجهة الطائرات فائقة التقدم لدى العدو جعلنا نفتقر إلى التكنولوجيا اللازمة لإبلاغ الناس بهجوم العدو في الوقت المناسب، حتى نتمكن من تحذير السكان العزّل ليلجؤوا إلى الملاجئ.

إننا نفتقر إلى دفاع جوي فعّال في مواجهة الطائرات المتقدمة جدًا لدى العدو المعتدي، إلى حد أن الطائرات الإسرائيلية والأمريكية تستطيع التحليق على ارتفاع منخفض وقصف أهدافها؛ أي إن سماء إيران –للأسف- في متناول العدو. ويبدو أن روسيا والصين، وهما حليفتا إيران، لم تزودا إيران بالأسلحة الدفاعية اللازمة، كما أن مثل هذه الأسلحة لم يتيسر إنتاجها محليًا حتى الآن. وليت المسؤولين يوضحون لماذا لم يُعالَج هذا الضعف العميق في الوقت المناسب.

وإذا كنا، لأي سبب، لا نملك نظام رادار أو دفاعًا جويًا فعّالًا لمواجهة الطائرات المتقدّمة لدى العدو، فإن العقل السليم كان يقتضي أن تكون شعاراتنا بقدر إمكاناتنا لا أكثر. ومع هذا الضعف الكبير في منظومة الدفاع في البلاد، كان ينبغي -من الناحية الشرعية والأخلاقية والوطنية- أن يضبط القائد المقتول لسانَه وألا يستفزّ العدو الغادر. كما كان ينبغي لِبقية المسؤولين العسكريين أن يمدّوا أرجلَهم على قدر بساطهم، فإن ثمن هذه التصريحات المغامِرة غير المسؤولةيدفعه شعبنا الأعزل بأرواحه.

في كل قرار كان ينبغي إجراء حساب الكلفة والفائدة، ومن أعظم كلف أي قرار حجم الخسائر البشرية والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية. فهل قمنا في زمن الحرب مع نظام صدّام -خصوصًا بعد استعادة مدينة خُرّمشَهر- بحساب كلفة وفائدة الاستمرار في الحرب؟ وهل أُجري في حرب الأيام الاثني عشر غير المتكافئة حسابٌ لِلخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية من قبل مؤسسة بحثية مدنية مستقلة عن القوات العسكرية؟ وهل أُجري هذا الحساب في مواجهة السلطة للاحتجاجات المتعددة، ولا سيما في يوميْ8 و9 كانون الثاني 2026، لتحديد المبرر الديني والأخلاقي والقانوني المشروع الذي اقتضى قتل ثلاثة آلاف شخص -أو ضعفا هذا العدد أو ثلاثة أضعافه أو أربعة -وبحسب تقديرات تتجاوز الإحصاءات الرسمية- من المواطنين الأبرياء؟

ألم يكن من الممكن منع ذلك بوسائل مثل عربات المياه، والغاز المسيل للدموع، والهراوات، وإطلاق النار على ما دون النصف الأعلى من الجسم على أقل تقدير؟ بأي منطق جرى إطلاق النار على رؤوس وصدور وعيون المحتجين؟ وهل كان عدد الخسائر البشرية وحجم الأضرار بالبنية التحتية عاملًا حاضرًا في قرارات الحكّام، أو هو كذلك الآن، في الحرب الدفاعية التي نخوضها؟

إن الجواب –للأسف- عن جميع هذه الأسئلة سلبي. لماذا؟ لأنَّ حكّام الجمهورية الإسلامية وقادة الحرس الثوري عمليًالا يرون أي قيمة لحياة الناس، وهذا مخالف تمامًا لمنطق القرآن الكريم:

﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33).

لقد أَعدمتم الناسَبدم بارد، وأصدرتم أوامر إطلاق النار بسهولة، ولا يحرّككم مقتل المدنيين. ألم يُستخدم في الحرب التي استمرت ثماني سنوات تكتيك الموجاتالبشريةفي مواجهةحقول الألغام؟! ولو كانت هناك وسائل إعلام حرة، ورقابة فعلية من مجلس الشورى أو من مجلس خبراء مكوَّن من ممثلين حقيقيين لِلشعب، لكان كثير من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين ملزمين بالمحاسبة على الدماء التي أُريقت بغير حق، وإن لم تتحقق هذه المحاسبة في الدنيا، فاعلموا أنَّ موقفاً عسيراً في عالمالآخرة ينتظرالحكّام والقادة الذين لم تعن لهم حياة الناس أي شيء.

في الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة، تلعب خسائرها البشرية دورًا أساسيًا في قراراتها، وإن كانت حياة الناس في البلدان التي تتعرض لعدوانها لا تعني لها شيئًا. وقد انتهجت إسرائيل المنطق المزدوج نفسه منذ البداية:تقدير حياة مواطنيها مقابل انعدام القيمة المطلقة لحياة الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين. فكل من يمسّ إسرائيل -الشعب المختار عند الله- بكلمة يُعدّ من منظورهم من العماليق، وتكون دماؤهم وأموالهم مباحة، حتى الأطفال والدواب!

ولكن كم تقدّر الجمهورية الإسلامية عمليًا حياة مواطنيها، سواء في الاحتجاجات السلمية التي هي حق قانوني للمواطنين، أو في حمايتهم من وحشية المعتدين؟

رابعًا: تقديم دفع العدوان الخارجي على مكافحة الاستبداد الداخلي

لقد قلتُ وكتبتُ مرارًا إننا نخوض صراعين في آنٍ واحد: أحدهما ضد التدخل الخارجي الذي اتخذ الآن شكل العدوان العسكري الإسرائيلي والأمريكي، والآخر ضد الاستبداد الديني الداخلي. وهذان الصراعان منفصلان، ولا يمكن التخلي عن أحدهما لصالح الآخر.

في الصراع الأول يقف قِسمٌ معتبر من الشعب إلى جانب حكّام الجمهورية الإسلامية، ولكن مع رفض مغامرات النظام ورفض تقديمه الصراع مع الاستكبار وإزالة إسرائيل من خريطة العالَم على رفاه الشعب الإيراني بل حتى على الحد الأدنى من معاشه! ولا ننسى أن ما لا يقل عن ثلث سكّان إيران البالغ عددهم تسعين مليونًا يعيشون تحت خط الفقر. ألم تكن الأموال التي أُنفقت لِلحفاظ على بشار الأسد، الديكتاتور الدموي في سوريا، إلى جانب الأموال المصروفة في فلسطين المحتلة ولبنان واليمن والعراق، كافيةً لمعالجة فقر هذا الثُلث من السكان؟ إن التصرف الصحيح قانونيًا وأخلاقيًا ودينيًا كان أن تُنفق ميزانية البلاد على تأمين المعاش والرفاه وإعمار البلد، ثم إن بقي شيء فليُصرَف في مساندة المناضلين المناهضين لِلصهيونية.

أما في الصراع الثاني فإن غالبية الشعب الإيراني تقف في مواجهة الحكومة، أي إن الأغلبية الساخطة تناضل في الواقع لاستيفاء حقوقها المشروعة في مواجهة أقلية حاكمة احتكارية، وأنا منذ ما لا يقل عن سبع سنوات أرى أن الجمهورية الإسلامية غير قابلة للإصلاح، وقد عرضتُ أدلتي في هذا المقال المنشور: «الإصلاحات البنيوية والنظام غير القابل للإصلاح» في 9 آب/أغسطس 2018. ومع مرور الوقت، ولا سيما الطريقة الدموية التي واجهت بها الجمهورية الإسلامية احتجاجات 2019 و2022 و2025، ثبت أكثر فأكثر تصلّب النظام في قبول أي إصلاحات، وإنْ كانت سطحية. إذ ليس لدى هذا النظام أي برنامج لِلحرية أو سيادة القانون أو لإمكان الحياة الطبيعية أو لمعالجة الأزمات الكبرى المتراكمة بسبب فشله، أو للتعامل الحكيم مع العالم.

وأمام هذين الصراعين الأساسيين ينقسم الشعب الإيراني على الأقل إلى ثلاث فئات: فئتان أحاديتا الصراع، وطيفٌ واسع يؤمن بالصراعين معًا.

الفئة الأولى: المدافعون المطلَقون عن الوضع القائم:وهي أقلية ترى أن صراعها الوحيد هو مواجهة الاستكبار العالَمي والصهيونية الدولية، وهو صراع أيديولوجي، وهذه الأقلية مستعدة لِلتضحية في سبيله بكل شيء، حتى بجماهير كبيرة من الشعب الإيراني الساخط، وهم يرون أن الجمهورية الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه هي أفضل نظام حكم في العالم، ويقدّمون قائد النظام بوصفه نائب الإمام المهدي ووليّ أمر المسلمين في العالم، ولا يؤمنون بالإدارة العلمية ولا بحساب الكلفة والفائدة، ولا يتحرجون من استخدام العنف لتحقيق أهدافهم. وكل من ينتقد النظام أو قائده يتعرض لديهم للتشهير والاتهام لإسقاطه من أعين الناس. ومصلحة النظام وحفظه عندهم أوجب الواجبات، ويجوز في سبيله ارتكاب كل محرم، من قتل آلاف النفوس المحترمة إلى الكذب والافتراء، وهذه الأقلية هي التي تمسك حاليًا بزمام البلاد من خلال القيادة والحرس الثوري والبسيج ومجلس صيانة الدستور وهيئة الإذاعة والتلفزيون والسلطة القضائية المنفذة لأوامر القائد وسائر المؤسسات التنصيبية، وهي غير مستعدة بأي ثمن لاحترام رأي أغلبية الشعب.

الفئة الثانية من أحاديي الصراع: دعاة العودة إلى نظام الشاه، وهم أنصار نجل الشاه السابق، ويؤمنون بصراع واحد فقط: إسقاط الجمهورية الإسلامية. وهم لا يرفضون التدخل والعدوان العسكري الخارجي فحسب، بل يعتقدون أن الطريق الوحيد للخلاص من الجمهورية الإسلامية هو الاستعانة بمَلاك الإنقاذ المسمى بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل! ما يهمهم هو الخلاص من الجمهورية الإسلامية بأي ثمن، وقد رحّبوا بالعدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي، بل دعوا قادة هذين البلدين إلى مهاجمة إيران، وأقاموا احتفالات شكر لِلمعتدين، لغتهم شديدة العنف، ويصفون كلَّ من ليس منهم بأنه عميل لِلجمهورية الإسلامية، ولم يصلوا إلى السلطة بعد، ومع ذلك يتحدثون عن نصب المشانق لإعدام منتقديهم، وتدعمهم وسائل إعلام غربية أو غالبية وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية خارج البلاد.

وقد انخدع بعض الشباب غير الواعين -بسبب اليأس من إصلاح النظام وتصلبه- بدعاية هذه الوسائل المعادية، فصاروا يؤيدون العودة إلى النظام الملكي الذي كان قبل ثورة 1979.و هم لم يقرأوا التاريخ ولا يعلمون أن ما يهتفون له لن يؤدي إلا إلى تفكك إيران وانهيارها، وحرب أهلية، وتحولها إلى دولة تابعة لإسرائيل المجرمة. وهذه الفئة، مثل الفئة السابقة، أقلية، وفي أحسن التقديرات لا تمثّل أكثر من ربع الناخبين الإيرانيين. ومع أن ترامب يسعى إلى إبراز شخصية من داخل إيران لتنفيذ مشاريعه، فإن هذه الفئة -رغم الضجيج الإعلامي الهائل الشبيه بالإعلام الإسرائيلي- من المستبعد جدًا أن يكون لها مكان في مستقبل إيران؛ فهي أكثر تسلطًا من الحكام الحاليين، ولا تؤمن بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان.

الفئة الثالثة: أنصار الصراع في الجبهتين:وهم أغلبية الشعب الإيراني، ويمثلون طيفًا واسعًا يضمّ على الأقل ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: الإصلاحيون الحكوميون، يرون أن الجمهورية الإسلامية قابلة لِلإصلاح، ولا يؤمنون بمواجهة أصل النظام، بل يرون ضرورة الإصلاحات السطحية، ويعدّون الإصلاحات البنيوية نوعًا من إسقاط النظام، وهم لا يرون مشكلة في الولاية المطلقة لِلفقيه، ويأملون أن يسمح لهم الولي الفقيه بالمشاركة في الحكم، وإن الاستقلال ورفض التدخل أو العدوان الخارجي خط أحمر لديهم.

المجموعة الثانية: المنتمون لهذه المجموعة يقفون على الطرف الآخر من هذا الطيف، إذ يرون أن الأولوية المطلقة هي مكافحة الاستبداد الداخلي ويعدّونه أصل جميع المفاسد، ولا يؤيدون التدخل أو العدوان الخارجي، ويستنكرونه كلاميًا، لكنهم لم يقدّموا برنامجًا عمليًا لمقاومته. ولم تكن مأساة إسرائيل في غزة -مع أنهم لا يؤيدونها- موضع اهتمام رئيسي لديهم. وفي العدوان الحالي يظنون أن مجرد رفع شعار الاستفتاء وتشكيل جمعية تأسيسية كافٍ لإنهاء العدوان الخارجي. ومن هذا المنظور لا يتضح كيف يمكن إنقاذ البلاد في مواجهة عدوان فعلي، وهل سيبقى أصلًا بلد يُجرى فيه استفتاء من دون الاعتماد على القوات المسلحة القائمة؟!

المجموعة الثالثة: يرفض المنتمون لهذه المجموعة التدخل والعدوان الخارجي، كما يرفضون الجمهوريةَ الإسلامية غير القابلة للإصلاح، بيد أن رفض الأمر الأول عندهم أَهمّ وأَولى من رفض الأمر الثاني. فهُم يدركون خطر إسرائيل والصهيونية على السلام الإقليمي، ويعلمون أن إسرائيل لا تتحمّل وجود أي نظام مستقل قوي يزعجها، سواء أكان ديمقراطيًا أم دكتاتوريًا. فإسرائيل تفضّل أنظمة مثل السعودية والدول العربية في الخليج الفارسي، التي تعد جميعها تابعة للولايات المتحدة وقد خصصت جزءًا من أراضيها لإقامة قواعد عسكرية أمريكية. وهم يعلمون أن اللوبي الإسرائيلي يدير السياسةَ الأمريكية وأن الولايات المتحدة داعمة لإسرائيل دعمًا غير مشروط. والتهمة التي لا تُغتفر لإيران هي مواجهتها لإسرائيل ولو بطريقة مغامِرة تفوق قدراتها. أما الطاقة النووية وقمع المحتجين فليسا سوى ذرائع. وسيستمر العدوان الأمريكي والإسرائيلي حتى إنهاك إيران وإضعافها واطمئنان الولايات المتحدة من أمن إسرائيل.

ومن جهة أخرى يرى المنتمون إلى هذه المجموعة في المرتبة الثانية، أن الجمهورية الإسلامية غير قابلة للإصلاح، ويعتقدون أن النضال المدني والمقاومة السلبية واستمرار الاحتجاجات الشعبية -بعد انتهاء العدوان- يمكن أن يُخضع النظام للإرادة الوطنية. وطريقة النضال هي نفسها التي ظهرت في حركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، حين فرضت النساء والفتيات الإيرانيات إرادتهن في اختيار اللباس على السلطة. وهذه الطريقة ممكنة التحقيق من خلال رفع سلسلة من المطالب الأولية وبالحد الأدنى وبأعلى قدر من الصمود: «مطالب دنيا ومقاومة قصوى». فإذا صمد الشعب واستمرت الاحتجاجات، سيضطر النظام إلى التراجع خطوة بعد خطوة لصالح الأغلبية الساخطة، حتى يحين وقت إجراء استفتاء لتغيير النظام.

وأنا شخصيًا أنتمي إلى هذه المجموعة الثالثة من الفئة الثانية: أي الإصلاحات البنيوية، ورفض العدوان الخارجي، ورفض الجمهورية الإسلامية، مع تقديم رفض العدوان الخارجي على رفض الاستبداد الداخلي. وهذا عرض موجز يحتاج إلى تفصيل، وسأوضح ذلك أكثر في فرصة مناسبة إن شاء الله.

وفي الجلسة القادمة سأعرض أهم تأملاتي في شرح بقية العناوين.

أسأل الله العظيم أن يدفع شرّ المعتدين الأمريكيين والإسرائيليين، وشرّ الجائرين في الداخل المسمَّين بالجمهورية الإسلامية، وأن ينصر الشعوب المظلومة في إيران وفلسطين ولبنان، آمين يا رب العالمين.