أكاديمي إيراني في جامعة ديوك: الحرب ستُعزز التطرف الديني في أرجاء العالم
دورام، كارولينا الشمالية ( DURHAM, N.C.) (RNS) — محسن كديور، المعارض الإيراني الذي يُدرِّس الإسلام في جامعة ديوك، لا تقل خشيته مما تفعله حربُ إيران بالديمقراطية الأمريكية عن انتقاده لِلجمهورية الإسلامية

وكالة أنباء الدين ( Religion News Service) (RNS)
بقلم: يونات شيمرون (Yonat Shimron)
25 آذار/مارس 2026
دورام، كارولينا الشمالية (RNS) — يتابع محسن كديور أحداث الحرب في إيران وفي نفسه إحساس متنامٍ بتكرار التاريخ.
كَديوَر أستاذ باحث في الدراسات الإسلامية بجامعة ديوك، يعيش في المنفى بعيدًا عن وطنه إيران منذ ثمانية عشر عامًا. وكديور الناقد الصريح لنظام طهران والمدافع عن الإصلاح الديمقراطي، بات يرى اليوم أن الولايات المتحدة تسلك مسارًا مماثلًا نحو الحكم الاستبدادي.
كان كديور قد أيّد ثورة 1979 التي أفضت إلى قيام الجمهورية الإسلامية، أملًا في أن تُفضي إلى مجتمع أكثر عدلًا. غير أن الأمور لم تسر على النحو المأمول. فحين كتب مقالات وكتبًا نقدية حول النظام، حكمت عليه السلطات بالسجن ثمانية عشر شهرًا في سجن إيفين سيء السمعة في طهران.
جاء إلى الولايات المتحدة عام 2008، أولًا إلى جامعة فيرجينيا ثم إلى جامعة ديوك. وها هو اليوم يرصد نمطًا مألوفًا يتكرر في أمريكا.
قال: «يسألني الصحفيون: ماذا تتوقع حول هزيمة الجمهورية الإسلامية؟ فأقول لهم: وأنتم، ماذا تتوقعون حول هزيمة الديمقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة؟»
وقد أعرب عن قلقه وخشيته الشديدة من الحرب على إيران لعدم وجود أي تهديد فوري على الولايات المتحدة، ولِلتسرع في شن الحرب دون الحصول على إذن الكونغرس. ويرى أن هذه الحرب لن تزيد إلا في تعزيز التطرف الديني في أرجاء العالَم، وأنها أضعفت بالفعل قوى الديمقراطية داخل إيران.
أجرت وكالة أنباء الدين هذه المقابلة مع كَديوَر في منزله في تشابل هيل (Chapel Hill) بكارولينا الشمالية هذا الأسبوع. وقد خضعت المقابلة للتحرير اختصارًا ووضوحًا.
كيف حال عائلتك في إيران؟
والدتي واثنان من أبنائي يقيمون في طهران. (في فترة الحرب) لا يتوفر إنترنت دولي في إيران، بل إنترنت وطني/داخلي فحسب، كما هو الحال في الصين. فيستطيعون التواصل فيما بينهم عبر الإنترنت، لكن ليس معنا. يمكنهم شراء بطاقات هاتفية دولية، فنتحدث بضعة دقائق كل يوم، ونطمئن إلى أنهم بخير.
ما هي قراءتك لهذه الحرب؟
هذه ليست حربًا. هذا عدوان إسرائيلي أمريكي على إيران. وقد جاء على النقيض تمامًا مما توقعه الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتانياهو. فالإيرانيون باتوا أكثر تأييدًا للجمهورية الإسلامية مما كانوا عليه من قبل، ويساندون الجيش الإيراني والحرس الثوري الإسلامي الذي يدافع عنهم. وقد مُنيت حركة الديمقراطية والحرية في إيران بأضرار جسيمة. فقد اغتالت إسرائيل معظم الإيرانيين المعتدلين والقادة السياسيين وقادة الحرس الثوري، وحلّ محلهم متشددون أكثر تطرفًا.
وأضرب لك مثالين: كان المرشد الثاني لإيران علي خامنئي يتحلّى بالحذر في المسألة النووية، وأصدر فتوى تُحرّم استخدام القنابل النووية باعتبارها محرّمة شرعًا. فهل نحن متأكدون من أن ابنه سيُبقى على هذه الفتوى؟ أنا لست متأكدًا. كما اغتالت إسرائيل أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، وكان رجلًا معتدلًا وصاحب نهج تفاوضي، فخلفه شخصية متشددة متطرفة هي محمد باقر ذو القدر.
هل تعتقد أن الشعب الإيراني كان مهيئاً للديمقراطية قبيل الحرب؟
كانت إيران الأكثر استعدادًا للديمقراطية في الشرق الأوسط. فقد شهدنا ثورتين في أقل من ثمانين عامًا: عامَي 1906 و1979. وشهدت إيران على مدى العقود الثلاثة الماضية احتجاجات شعبية، ولديها برلمان منتخب. فهل تملك المملكة العربية السعودية ذلك؟ وهل فعلت الإمارات العربية المتحدة ذلك؟ كلا. هذه الأنظمة كلها استبدادية، غير أن للجمهورية الإسلامية ميزة عليها: فهي تُجري انتخابات. يستطيع المواطنون انتخاب الرئيس والبرلمان والمجالس البلدية ومجلس الخبراء. حاول المرشد الأعلى (السيد علي خامنئي) تقييد أصوات الناس في الانتخابات، لكنه لم يستطع القضاء عليها كليًا. ثمة دعاية كثيرة ضد إيران في وسائل الإعلام الغربية، وهي ليست صحيحة. إيران بلد مركّب.
أفضت الثورة الإسلامية إلى حكومة يقودها الفقهاء الدينيون. هل هذا قابل للتنفيذ؟
كانت ثمة نظرية تقضي بأن أكثر الفقهاء علمًا هو من ينبغي أن يحكم البلاد. لكن في الممارسة العملية، الفقه وحده لا يكفي. فلإدارة دولة، لا بد من مراعاة المصلحة والمصلحة العامة. والفقه ليس سياسة. فالمرشد الثاني (السيد خامنئي) لم يصبح قائدًا بفضل علمه الفقهي، -إذ لم يكن يحظى بالمكانة الرفيعة التي تمتع بها القائد الأول آية الله الخميني- بل لأنه كان رئيسًا للجمهورية الإسلامية لمدة ثماني سنوات. فالتجربة السياسية أهم من العلم الفقهي. وهكذا يبدو النظام دينيًا في مظهره، لكن جوهره أكثر وظيفية وبراغماتية.
وانتقادي أننا بحاجة إلى مقاربات أكثر ديمقراطية وإلى فصل المسجد عن الدولة. كان آية الله الخميني قادرًا على تحقيق التوازن بين اليمين واليسار، لكن خَلَفَه، لافتقاره إلى القيادة الكاريزمية ولمحدودية علمه الإسلامي، عَوَّلَ في الغالب أكثر على اليمينيين وأقصى اليساريين الذين عُرفوا بالإصلاحيين. فمُنع هؤلاء الإصلاحيون وصودرت صحفهم وأحزابهم السياسية، وزُجّ بهم في السجون أو وُضعوا قيد الإقامة الجبرية. وازداد اتكاؤه على الحرس الثوري.
هل تعرف آية الله الجديد، نجل المرشد الذي اغتيل؟
لا. إنه رجل في الظل. لا نعرف عنه شيئًا. لم ينشر أي شيء، وليس لدينا صوت أو صورة منه. وبما أنه أُصيب في اليوم الأول من عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل، وشهد مقتل كثير من أفراد أسرته أمام عينيه، فقد عانى من صدمة نفسية بالغة. أما ما أنا متأكد منه فهو أن البلاد يحكمها الحرس الثوري لا المرشد الأعلى. فالمرشد الأعلى في الوقت الحالي يضطلع بدور رمزي، كملك إنجلترا.
يتراجع الدين في أرجاء العالم الغربي. فهل تراجع في إيران أيضًا؟
تُجري إيران استطلاعًا وطنيًا كل عشر سنوات، حتى قبل الثورة. وبناءً على تلك الاستطلاعات، لا يوجد تغيير ذو دلالة فيما يخص الإيمان بإله واحد والإيمان بالآخرة والإيمان بنبوة النبي محمد. ونلحظ تراجعًا ملموسًا في الشعائر الجماعية كصلاة الجمعة، كما تراجعت الشعائر الفردية أيضًا. وثمة تغيير مرئي في عدد النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب. وقد كان للنهج الصارم والمتشدد للنظام تجاه الإسلام، المعروف في إيران بـ”الإسلام الطالباني”، أثر عميق في إعراض الشباب الإيراني عن الشعائر الدينية، ولا سيما الجماعية منها. بيد أنه في المجمل، لا فارق كبير بين إيران وتركيا مثلًا، أو بين إيران وباكستان.
وضّح لنا طبيعة الانقسامات السياسية في إيران.
ثمة تنوع في إيران. نحتاج إلى استطلاعات رأي وبيانات (data). أستطيع القول إن 15 إلى 20 بالمئة من الإيرانيين يؤيدون النظام. وثمة أقلية أخرى بين الإيرانيين تدعو إلى عودة الملكية، أي إعادة نجل الشاه الأخير رضا بهلوي. وهذا الشخص دمية في يد رئيس الوزراء نتانياهو، غير أن الرئيس ترامب لم يقبله. وليست لدينا إحصاءات موثوقة، لكن هذه أيضًا أقلية.
معظم الإيرانيين لا يؤيدون النظام. لكن هذا الغزو سيُعزز المتشددين الإيرانيين ويُقوي الحرس الثوري. وكل هؤلاء القادة والشخصيات السياسية البديلة التي تتسلم السلطة في أعقاب عمليات الاغتيال الحمقاء التي ينفذها نتانياهو هم أكثر تشددًا وتطرفًا ممن سبقوهم.
ما التداعيات البعيدة المدى لهذه الحرب؟
نتانياهو وترامب يؤججان التطرّف في العالم. فالتطرف الإسلامي سيتصاعد تدريجيًا في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط وفي كل مكان. سياساتهما تتعارض مع السلام والقانون الدولي والقيم الأمريكية. وترامب أكثر استبدادًا حتى مما لدينا في إيران.
أنا ناقد للجمهورية الإسلامية، لكنني في الوقت ذاته أنتقد الديمقراطية الليبرالية بنحو أشد. فقد قال مالكولم إكس (Malcolm X) (زعيم حركة السود الراحل): ما لدينا هو نفاق (hypocrisy)، وليس ديمقراطية (democracy).
