القائد المنصَّب الرمزي
منتقدو الجمهورية الإسلامية وظاهرة الولاية الوراثية

نظرًا إلى أن العدوان الوحشي الأمريكي-الإسرائيلي على إيران قد بلغ أربعة عشر يومًا، فسأعرض-على نهج المقالين السابقين- بعض النقاط الأخرى من الواجبات الوطنية والدينية. وفي الحقيقة هذا هو الجزء الثالث من حديثي حول هذا الموضوع.

استعرضتُ في المقال الأول العناوين الرئيسة؛ انظر: «العدوان العسكري على إيران وواجبنا في أثناء الحرب، تأملات حین الحرب» (11 آذار/مارس 2026)، فيما كان المقال الثاني بعنوان: «تأملات رمضانية في أثناء الحرب، شرح أربع نقاط أساسية» (14 آذار/مارس 2026) وتمثّلت تلك النقاط الأربع في: ضرورة إبرام اتفاق فوري للهدنة، والامتناع الجاد عن توسيع الحرب، وضرورة الاهتمام الجاد بحفظ أرواح الناس، وتقديم دفع العدوان الخارجي على مكافحة الاستبداد الداخلي.

أما موضوع هذا المقال -كما يدل عليه عنوانه- فهو مسألة القيادة، ويتضمن شرحاً وتفصيلاً لما عرضتُ عناوينه في المقال الأول، مع التطرق إلى نقاط جديدة طرأت بعد ذلك. وسأحاول أن أركّز أكثر على الأبعاد الدينية لِلمسألة التي لم يُتناولها بما يكفي. ويشتمل هذا الحديث على أربع نقاط: «أمّ المصائب: الولاية المطلقة للفقيه»، «القائد المنصَّب الرمزي»، «ردّ الفعل البارد من مراجع التقليد تجاه القائد الجديد»، و«نصيحة لأئمة المسلمين».

أمّ المصائب: الولاية المطلقة لِلفقيه

أولًا: تفتقر الولاية السياسية للفقيه إلى مستند شرعي معتبر، فهي لا تستند إلى الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ولا العقل، بل إن محكمات القرآن ومسلّمات السنة والموازين العقلية قائمة ضدها. وقد نشرتُ قبل ربع قرن كتبًا في هذا المجال، منها «نظريات الحكم في الفقه الشيعي، بحوث في ولاية الفقيه» و«الحكومة الولائية» و«الحكومة التنصيبية»، حيث عرضت فيها أدلتي.

وقد أنكر أكبر فقهاء العصر الولاية السياسية للفقيه، منهم: الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني صاحب «الكفاية» والزعيم الديني للحركة الدستورية، والشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قم، والشيخ محمد حسن الغروي الأصفهاني صاحب «نهاية الدراية في شرح الكفاية» و«شرح المكاسب»، والسيد محسن الحكيم، والسيد أحمد الخوانساري، والسيد أبو القاسم الخوئي، والشيخ محمد علي الأراكي، والسيد محمد حسين الطباطبائي صاحب «الميزان»، وكذلك السيد رضا الزنجاني، والسيد أبو الفضل الزنجاني، والسيد رضا صدر، والشيخ مهدي الحائري اليزدي، والشيخ محمد مهدي شمس الدين. وقد نشرتُ عن كل واحد من هؤلاء الفقهاء مقالًا أو أكثر من المقالات البحثية، وسيصدر إن شاء الله. لِلمزيد يُنظَر: «الفقهاء المنكرون لولاية الفقيه».

إن إقامة العدل والدفاع عن الحق لا يتوقفان على الولاية السياسية للفقيه. فالركن الأساس في الإمامة الشيعية هو الإيمان بأئمة أهل البيت عليهم السلام بوصفهم المصدر الثالث للمعرفة الدينية بعد القرآن الكريم والسنة النبوية. ولا تلازم بين الإمامة والسلطة السياسية؛ فما عدا السنوات الخمس من حكم الإمام أمير المؤمنين علي (ع) والإمام الحسن المجتبى (ع) لم يتولَّ بقيةُ أئمة الشيعة السلطةَ السياسية، بل لم يسعوا إليها أصلًا. وأوضح شاهد على ذلك سلوك الإمامَين محمد الباقر وجعفر الصادق «عليهما السلام» في الفترة الفاصلة بين الخلافتين الأموية والعباسية، مع أن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» كانوا أجدر الناس لقيادة عصرهم سياسيًا.

وقد قاوم الإمام الحسين (ع) بيعة يزيد بن معاوية المفروضة حتى بذل نفسه، غير أنه-خلافًا لِلقراءة التي شاعت قرب زمن الثورة- لم يكن يسعى إلى تأسيس حكومة إسلامية. وقد عرضتُ شواهد ذلك في مقال مستقل: «الإمام الحسين من وجهة نظر أخرى، قاعدة أَم استثناء؟» (17 تشرين الأول/أكتوبر 2019).

ولا ينبغي، من أجل تثبيت نظرية ولاية الفقيه السقيمة، أن يُضحّى بالمبادئ التقدمية في مفهومَي «الإمامة» و«العدالة»، ويمكن للمرء أن يكون شيعيًا أصيلًا مع إنكاره نظرية الولاية السياسية للفقيه.

ثانيًا: إن ولاية الفقيه لم تكن من شعارات الثورة، ولا من مطالب الشعب الإيراني في عاميْ 1978-1979، ولم تكن حتى من مبادئ مشروع الدستور الذي حظي بتأييد خطّي من قائد الثورة ومراجع التقليد آنذاك. وعندما كان السيد الخميني في نوفل لوشاتو في فرنسا أجرى قرابة مئتي مقابلة دولية، ولم يذكر هذه النظرية ولو مرة واحدة عند حديثه عن النظام السياسي المستقبلي لإيران.

نعم، لقد توصّل إلى هذه النظرية منذ نحو عقد الخمسينيات، وطرحها سنة 1969 في حوزة النجف، لكن ولاية الفقيه لم تكن محرّك ثورة 1979، وكان إقبال الناس عليه -رغم اختلاف توجهاتهم- بسبب مواقفه الواضحة ضد الاستبداد وضد الهيمنة الأجنبية، لا بسبب نظرية ولاية الفقيه الإشكالية التي لم يكن معظم الإيرانيين على علم بها آنذاك.

ومع الأسف أُدخلت هذه النظرية المنافية لروح القانون في دستور عام 1979، ثم وُسِّعت سنة 1989 إلى الولاية المطلقة للفقيه. إن ولاية الفقيه ليست في حقيقتها إلا سلطنة الفقيه، وسلطنة الفقيه أو غير الفقيه مخالفة لِلعقل والنقل.

ثالثًا: إن الأزمات الكبرى المتداخلة التي نعيشها اليوم هي من نتائج الولاية المطلقة للفقيه: أنْ يعيش ثلث شعبنا تحت خط الفقر المطلَق ولم يتحقق الهدف السامي للعدالة، وأنْ تكون الحرية -وهي من المطالب التاريخية للشعب الإيراني- غير متحققة، بل حُذفت تمامًا من خطاب وسلوك قادة الجمهورية الإسلامية، وأن القائد الراحل للجمهورية الإسلامية كان يفكر في إقامة نظام عالمي جديد يفوق بكثير قدرات البلاد الوطنية، وأنه لم يكن لديه تقدير واقعي لقوة التدمير لدى الإمبريالية والصهيونية، وأنه حتى لحظة وفاته لم يعتنِ بمطالب أغلبية الشعب، وأنه حوّل حكم القانون إلى حكم الأوامر السلطوية، وأن الفساد والتمييز عمّا البلاد، وأن المصالح الوطنية لم تُراعَ في كثير من القرارات الكبرى، وأن غالبية الشعب ساخطة بشدة، وأن معظم الناس، خصوصًا الشباب، يحنّون إلى حياة طبيعية، وأن هذا النمط من الحكم نَفَّرَ الكثيرين من الدين والمذهب،  كل ذلك من نتائج ولاية الفقيه.

رابعًا: إن الولاية المطلقة للفقيه –وتحديدًا ولاية القائد المقتول- بسبب العناد والتصلب والاستبداد بالرأي كانت عقبة أمام الحرية والديمقراطية وسيادة القانون وتحقيق المصالح الوطنية والحياة الطبيعية لمعظم الإيرانيين. بيد أن هذا لا يعني أنه لم تُقدَّم في عهده أي خدمات؛ فقد قُدّم دعم واسع للشعب الفلسطيني المظلوم، كما أصبحت القدرة الصاروخية لإيران قوية جدًا، ولا يمكن تجاهل هذه الأمور. فهل يمكن تجاهل خدمات الملكين في النظام البهلوي؟ ولكن في مقابل هذه الحسنات فإن كفة السيئات للأسف أثقل بكثير.

إن أغلبية الشعب الإيراني لا تمنح القائد الراحل درجة النجاح، وكثيرون فرحوا بقتله. أما أنا فلا أشعر بالفرح؛ فقد كنت أتمنى لو بقي ليُحاكَم محاكمة عادلة أمام محكمة وطنية مختصة بسبب الأضرار الجسيمة التي ألحقها بإيران وبالإسلام وبالتشيع.

وقبل خمسة عشر عامًا، (في تير 1389هـ.ش-تموز/يوليو 2010م(، طالبتُ -في ضمن رسالة مفتوحة وجهتها إلى رئيس مجلس خبراء القيادة آنذاك- باستجوابه، وقلت فيها:

«إنني بوصفي أحد المواطنين الإيرانيين، أتهم قائد الجمهورية الإسلامية في إيران، سماحة آية الله السيد علي حسيني خامنئي، بالاستبداد والظلم وخرق القانون وتقويض الجمهورية الإسلامية والإساءة إلى الإسلام. أولًا: أعتقد أنه بانتهاكه المؤسسي لحقوق المواطنين الإيرانيين قد أعاد إنتاج الملكية المطلقة بواجهة إسلامية. ثانيًا: أرى أنه بانتهاكه استقلال القضاء وتسييس القضاء والظلم الواضح بحق المنتقدين وأصحاب الحقوق قد حقق ولاية جائرة. ثالثًا: أعتقد أنه بخرقه المتكرر لمواد عديدة من الدستور، خاصة في مجالي التشريع والتنفيذ، قد ارتكب أكبر انتهاك للقانون خلال العقدين الماضيين، وكان أكبر من قوض الجمهورية الإسلامية. رابعًا: وبما أنه ارتكب هذا الاستبداد والظلم وخرق القانون باسم الإسلام ومذهب أهل البيت وخلافة النبي والأئمة والحكومة الإسلامية، فقد وجّه أكبر ضربة للإسلام والتشيع، وجعل من تسييس الدين سببًا لإهانة الإسلام. وأخيرًا، نظرًا لفقدانه الشروط اللازمة ضمن عقد الولاية، فإن ولايته ساقطة تلقائياً ومن دون حاجة إلى عزله». للمزيد يُنظر كتاب: «استجواب القائد»

ولذلك أكرر مرة أخرى: «إن إيران لا تحتاج إلى ولي فقيه، ويمكن إدارة البلاد -بل إدارة أفضل بكثير- من دون قائد، بالاعتماد على آراء أغلبية الشعب ومراعاة المصالح الوطنية»، وقد أعلنتُ في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان: «إن مسألة إيران ليست اختيار القائد القادم، بل اختيار النظام البديل للجمهورية الإسلامية». وهذه نقطة أساسية، فمع قيادة من طراز القائد المقتول وبالنهج نفسه لن تزداد إلا مشكلاتنا وسخط الناس، ولن تُحل أي من الأزمات الكبرى في البلاد، إنْ لم تزداد تعقيدًا.

الزعيم المنصَّب الرمزي

كنتُ قد كتبتُ سابقًا أنه حتى لو افترضنا استمرار هذا النظام نفسه، فإن «مجلس خبراء القيادة، إضافةً إلى مشكلاته البنيوية، قد جرى ترتيب أعضائه بدقة بواسطة مجلس صيانة الدستور المعيَّن من قِبل القائد المقتول، بحيث لا يوجد فيه حتى ممثل حقيقي واحد للشعب، وبالتالي لا يمكن توقع اختيار قائد مناسب منه» .لقد قُتل القائد الثاني للجمهورية الإسلامية في الساعات الأولى من يوم السبت 9 اِسْفَند (28 شباط/فبراير) في العدوان الوحشي الأمريكي-الإسرائيلي في مكتبه. ووفقًا للدستور تشكَّل فورًا مجلس القيادة المؤقت، وهو مجلس كان يمكنه الاستمرار في عمله دون أي قيد زمني حتى انتخاب قائد جديد. وفي 17 اِسْفَند (8 آذار/مارس) أعلن مجلس خبراء القيادة ترقية السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، نجل القائد المقتول، إلى لقب آية الله، وتقديمه بوصفه القائد الثالث للجمهورية الإسلامية.

نظرًا لظروف الحرب لم يكن من الممكن عقد اجتماع حضوري لمجلس الخبراء. ولم يوضَّح في البيان كيف عُقدت «الجلسة الاستثنائية» بتاريخ 17 اِسْفَند (8 آذار/مارس)؟ وليس معلومًا حتى ما إذا كان قد عُقد اجتماع افتراضي. ويبدو أن الحرس الثوري اتصل بكل عضو من أعضاء المجلس على حدة وأفهمهم أن الدفاع عن البلاد في هذه الظروف الحربية لا يملك إلا خيارًا واحدًا، وهو نجل القائد المقتول؛ على غرار الجو غير الواقعي الذي هيأه علي أكبر هاشمي رفسنجاني بمساعدة حسن روحاني في عام 1989 لانتخاب والده، إذ خدعا رجال الدين المسنين غير المطلعين من أعضاء مجلس الخبراء بإقناعهما أننا نمرّ في ظرف طارئ. ويبدو أنه جرى أخذ التواقيع وبصمات الأصابع من جميع أعضاء المجلس لصالح مجتبى.

كان السيد الخميني، رغم رغبة نجله السيد أحمد الشديدة في أن يخلفه، يعارض بشدّة وعملياً توريث الولاية. كما نُشرت اقتباسات عديدة عن القائد المقتول تفيد بأنه لم يكن راضيًا عن أن يخلفه أيٌّ من أبنائه. غير أنه، حتى لو صحَّت هذه الاقتباسات، فلا يمكن اعتبارها دليلاً على الإرادة الحقيقية للقائد. فلو لم يكن راضيًا عن ذلك لما سلَّم زمام بيته لابنه، ولمنعه من التدخل في شؤون البلاد. لكنه لم يفعل ذلك، بل إن ابنه كان -وعلى مرأى من عينه- الشخصية الأكثر نفوذًا في الكواليس ورجل الظل في بیت القائد، وقد لعب دورًا نشطًا تمامًا في الانتخابات الرئاسية المختلفة على الأقل منذ عام 2005. وأول من احتج علنًا على الدور المخرِّب لمجتبى خامنئي في هندسة الانتخابات كان مهدي كروبي في حزيران/يونيو 2005. ومن المستبعد جدًا أن يصوّت أعضاء مجلس الخبراء -الذين هم من دون استثناء ذائبون في الولاية وقد جرى ترتيبهم بعناية بواسطة مجلس صيانة الدستور المنصَّب من شخص القائد- خلافًا لرغباته.

وبعبارة أخرى، جرى التظاهر بأن نجل القائد قد انتُخب خلافًا لرأي أبيه المقتول، حتى لا تُنسَب وصمة الولاية الوراثية – التي هي تعبير آخر عن الملكية الوراثية – إلى القائد السابق. والحال أن كون مجتبى خليفةً لأبيه لم يكن خافيًا على كثيرين. ففي موجة احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» واحتجاجات شهر كانون الثاني 2026 كانت من الشعارات الشهيرة في تلك المظاهرات: «مجتبى، مُتْ ولن ترى القيادة»

ولو كان المجلس الذي يتخذ القرار مجلساً منتخبًا بدلاً عن المجلس المنصَّب الراهن، لبحث بالتأكيد عن شخص تتوفر فيه شرطان: الأول امتلاك سجل تنفيذي في مستوى دورتين رئاسيتين، على غرار ما حدث عام 1989، والثاني أن يكون شخصية مجرَّبة معروفة في العالَم، وقادرة بعقلانية على إخراج البلاد من أتون الحرب وحماية المصالح الوطنية. ويمكن التعرف على شخص بهذه المواصفات بين رؤساء الجمهورية السابقين. غير أن بيت القيادة والحرس الثوري لا يرضيان بمثل هذا الشخص.

ويبدو أن ما أُعلن باسم قرار مجلس الخبراء المنصَّب هو في الحقيقة قرار الحرس الثوري. وهذه ليست مجرد تكهنات، بل تستند إلى شواهد متعددة. وقد سألني صديق: هل جرى «اكتشاف» مجتبى أم تم «انتخابه»؟ إذا اعتبرنا ولاية الفقيه تنصيبية فإنَّ مجلس الخبراء يكتشف الولي الفقيه، أي يكشف عن تنصيبيه من قِبل الإمام المنتظر الغائب مثلاً! أما إذا اعتبرناها انتخابية فإن مجلس الخبراء ينتخب ولي الأمر. وكان جوابي على سؤال ذلك الصديق أن ما حدث ليس اكتشافًا ولا انتخاباً. لقد نَصَّبَ قادةُ الحرس الثوري نجلَ القائد في هذا المنصب. فمجتبى منصَّبٌ من قادة الحرس الثوري، لا من الإمام المهدي حتى يكون ثمة اكتشاف، كما أنه لم يحدث انتخاب حقيقي، بل كان انتخابًا صوريًا على النحو الذي ذُكر.

وما يجعل قضية هذا التعيين أكثر تعقيدًا أن القائد المنصَّب ليس في صحة جسدية كاملة. ففي الهجوم الوحشي يوم السبت 9 اِسْفَند (28 شباط) على منطقة باستور، الذي أسفر عن مقتل والده وعدد من أفراد عائلته، أُصيب هو أيضًا بجروح. ولذلك وُصف بأنه «جريح حرب رمضان». وهذه الإصابات بالغة إلى حد أنه حتى إشعار آخر لا يستطيع إلقاء خطاب عبر الإذاعة والتلفزيون أو الظهور على شاشة التلفزيون. غير أن الأمر الذي لم يزل غير واضح هو حالته النفسية. فالصدمة (Trauma) التي أصابته –جراء مقتل والده وزوجته وأخته وزوج أخته وابنة أخته الصغيرة أمام عينيه، وهو أمر أرجو اللهَ أن لا يصيب به أي أحد– إضافةً إلى الأذى الذي ألحقته موجة الانفجار بسلامته النفسية، جعلته في الوقت الراهن يرقد في المستشفى للعلاج. فهل هو في كامل وعيه؟ وهل جرى أصلًا الحديث معه عن القيادة في مثل هذه الظروف؟ وهل أعلن موافقته؟ كل ذلك غير معلوم.

بعد أربعة أيام من بيان مجلس الخبراء، نُشرت رسالة مكتوبة منسوبة إلى القائد الجديد بتاريخ 21 إسفند (12 آذار/مارس)، من دون أن تُنشر إلى جانبها كتابته بخط يده بوصفها دليلًا على صحة نسبتها إليه. والرسالة المنشورة قريبة جدًا من آراء القائد العام للحرس الثوري، إلا إذا قيل أنهما روح واحدة في جسدين! ولا يوجد للقائد الجديد أي نص مكتوب أو حتى أي تصريح شفهي، باستثناء رسالة فيديو قصيرة في تشرين الأول/أكتوبر 2024 بشأن تعطيل تدريسه، وكانت بدورها على سبيل التضليل، بحيث يمكن مقارنتها بالرسالة المنشورة. وإذا امتد به العمر ونشر لاحقًا رسالة بخط يده، فلن يكون من الصعب التحقق مما إذا كانت الرسالة الأخيرة تعود إليه أم لا. فمن يكون في مثل هذه الظروف الجسدية والنفسية الصعبة يكتفي عادة برسالة موجزة مفيدة.

وإذا تجاوزنا الأسلوب البلاغي وتركيب العبارات والجُمَل، فإن الرسالةَ لم تتضمن أكثر من ست نقاط: 1. ضرورة استخدام إغلاق مضيق هرمز، 2. فتح جبهات أخرى يملك العدو فيها خبرة ضئيلة وسيكون شديد التعرض للخطر فيها، 3. مواصلة خدمة هذا الشعب وجميع شعوب جبهة المقاومة، 4. الانتقام الحتمي لدماء الشهداء، 5. أخذ التعويضات من العدو، وإن امتنع تُؤخذ من أمواله، وإلا تُدمَّر ممتلكاته بالمقدار نفسه، 6. مواصلة الهجمات على القواعد الأمريكية في خمسة عشر بلدًا مجاورًا من دون التعرض لتلك البلدان نفسها.

وبوجه عام فإن الرسالة المنشورة استمرار كامل لِلوضع القائم، من دون أي إشارة إلى تنفيذ الدستور، أو إعمار إيران، أو رفع الإقامة الجبرية والإفراج عن السجناء السياسيين. وعلى الأقل لا يُلمَس من هذه الرسالة أي أثر لِدَور شبيه بِدَور محمد بن سلمان.

في الوقت الراهن يتميز القائد الجديد مقارنةً بوالده – إضافة إلى كونه منصّباً من الحرس الثوري – بصفة أخرى مميزة، وهي كونه «رمزيًا». والمقصود بـ«الرمزي» أنه حتى إشعار آخر لا يؤدي دورًا فعليًا في إدارة البلاد، بل إن قادة الحرس الثوري يديرون البلاد والحرب باسْمِه وبالطريقة التي يرونها مناسبة، من دون أن يزعجهم أحد. ولا توجد مؤسسة للمساءلة أو الرقابة أو طرح الأسئلة.

الاستجابة الباردة لمراجع التقليد تجاه القائد الجديد

إذا تجاوزنا بيعة الأقلية المؤيدة للحكومة ومسؤولي النظام للقائد الجديد، فإن ردّة فعل مراجع التقليد جدير بالانتباه. فالمؤسسة نفسها التي أوصت بنظام الولاية الوراثية للبلاد قد تواصلت مع جميع مراجع الدين لأخذ البيعة. وقد أعلن اثنان من المراجع البيعة للقائد الجديد، وهما: الشيخ ناصر مكارم شيرازي، والشيخ حسين نوري همداني. أمّا السيد موسى شبيري زنجاني فقد دعا للقائد الجديد (من دون ذكر اسمه) عبر اتصال هاتفي مع مسؤول مكتب المرشد في قم. ووجّه الشيخ جعفر سبحاني التبريزي رسالة قصيرة إلى أعضاء مجلس خبراء القيادة، دعا فيها للقائد المنتخب من دون أن يذكر اسمه، مع تأييده لإجراءهم.

أما الشيخ عبد الله جوادي آملي فقد كتب حرفيًا في رسالة غير موجّهة إلى شخص بعينه:
«بسمه تعالى. إن نظام الإمامة والأمة من أفضل الثمار الوحيانية، ونرجو أن يُحشر القادة الراحلون مع القادة الإلهيين، وأن يكون ما اختاره مجلس خبراء القيادة الموقّر حافظًا لما مضى وجامعًا لشؤون ما يأتي. والسلام على من اتبع الهدى».

كما أن مكتب السيد علي السيستاني أصدر بعد يومين رسالة دعا فيها لخليفة القائد الراحل –من دون ذكر اسمه – بأن يوفَّق «لخدمة الشعب الإيراني العظيم، ودفع شرّ الأعداء، وحفظ الوحدة والانسجام الوطني». أمّا الشيخ حسين وحيد الخراساني أو مكتبه فلم يُنشر حتى الآن أي خبر في هذا الشأن.

وخلاصة الأمر أن المرجعية الشيعية لم تُبدِ ترحيبًا بالقائد المعيَّن الرمزي حتى الآن، بل أعلنت عدم رضاها بلغةٍ خاصة بهذه الظروف. فالسكوت، أو عدم صدور رسالة مكتوبة من المرجع نفسه، أو صدور رسالة من المكتب من دون ذكر اسم القائد الجديد، أو الدعاء له في اتصال هاتفي من دون ذكر اسمه، أو توجيه رسالة إلى أعضاء مجلس الخبراء مع الدعاء للقائد الجديد من دون تسميته، كل ذلك يُعد في عُرف المرجعية علامةً على عدم الرضا. وأوضح تعبير عن هذا الاستياء جاء من الأستاذ جوادي آملي، ولا سيما ختام رسالته بعبارة «والسلام على من اتبع الهدى»، وهو أمر واضح وضوح الشمس عند أهل الخبرة.

النصيحة لأئمة المسلمين

إذا لم يكن اختيار نجل القائد المقتول مجرد إجراء  شكلي، وإذا نجا من خطط الاغتيال التي يحيكها جواسيس الموساد، فمتى ما اطّلع على دوره بوصفه قائدًا منصّبًا رمزيًا، ومتى ما قَبِل أنه وريث منصب أبيه، فإنني -من باب النصيحة لأئمة المسلمين-أوجّه إليه هذه الكلمات القليلة:

إن أردتم خير الدنيا والآخرة، فعليكم بإبرام اتفاقٍ فوري للهُدنة، وأن تخاطبوا العالَم بلغةٍ مختلفة. يمكنكم أن تكونوا فاتحي فصلٍ جديد في تاريخ إيران. استمعوا إلى صوت شعبكم قبل فوات الأوان، وبعد توقف العدوان انسحبوا من السلطة على طريقة نيلسون مانديلا، ومهّدوا الطريق لإجراء استفتاء حول نظام الحكم المستقبلي للبلاد. وكونوا على يقين أنكم بهذا العمل ستنالون رضا الخلق والخالق، وتخلّفون ذكرًا حسنًا. وفي هذه الحالة سأدعو لكم أيضًا بحُسن العاقبة.

وأسأل الله العظيم في هذه الليلة المباركة أن ينصر المدافعين عن أرض إيران على المعتدين الأمريكيين والإسرائيليين، وأن يضع حدًا للحرب في أسرع وقت، وأن يخذل جميع أعداء إيران والإسلام ومن يريد بهما السوء، وأن يمنح النصر لشعوب إيران ولبنان وفلسطين. آمين يا رب العالمين.