الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والصراعات الداخلية الإيرانية

توضيح: أُلقيَت هذه المحاضرة في يوم السبت، 21 آذار/مارس 2026 (بالتزامن مع عيد النوروز)، ونُشرت في اليوم التالي (22 آذار/مارس) على الموقع الإنكليزي لِلمؤلف. أما النسخة المختصرة من هذه المحاضرة، فقد أُلقيت في يوم الجمعة 20 آذار/مارس 2026)، المصادف لعيد الفطر المبارك وحلول السنة الإيرانية الجديدة، أمام أساتذة وطلاب جامعة كوستال كارولينا في الولايات المتحدة. واكتفيت من محاضرة الجمعة بعرض صورة منها فقط. جاءت زيارتي التي امتدت يومين إلى مدينة كونواي (Conway) في ولاية كارولينا الجنوبية بدعوة من الدكتورة سهير داوود (Suheir Daoud) ، وفي اللقاء الأول، عرّفت عن نفسها بأنها مسيحية عربية من إسرائيل، وكان جليًا من محاضرتها أنها معادية للصهيونية. وكانت أسئلة أساتذة العلوم السياسية في جامعات كارولينا الجنوبية متعاطفة وناقدة لإسرائيل ولترامب. وإن كون إيرانيّ في داخل أمريكا يجاهر بنقد إسرائيل والرئيس الأمريكي في زمن الحرب على إيران، دليلٌ على حرية التعبير في هذا البلد. ومن جهة أخرى، يُعدّ هذا نموذجًا موثقًا على التحول الملحوظ في الأوساط الأكاديمية الأمريكية ضد إسرائيل وضد السياسة الخارجية الأمريكية. نشرتُ الترجمة الفارسية للمحاضرة في 28 آذار/مارس، وأنشر الترجمة العربية للنص الكامل للمحاضرة لاطلاع القارئ العربي، مع الإشارة إلى أن هذه المحاضرة أُعدّت لجمهور أكاديمي أمريكي.

التعريف على الموقع الجامعي: استضافت جامعة كوستال كارولينا (Coastal Carolina University) يومَي 20 و21 آذار/مارس المؤتمرَ السنوي 2026 لجمعية العلوم السياسية في كارولينا الجنوبية (the 2026 South Carolina Political Science Association annual conference   )  ونُظِّم هذا المؤتمر بإشراف الدكتورة سهير داوود، أستاذة العلوم السياسية. وتجمّع نحو سبعين أستاذًا وطالبًا من جامعات كارولينا الجنوبية لعرض أبحاثهم والمشاركة في نقاشات حول السياسة والعلاقات الدولية. وكان المتحدث الرئيسي (keynote speaker) في هذا المؤتمر الدكتور محسن كَديوَر، الأستاذ الباحث في الدراسات الإسلامية بجامعة ديوك. ويُعرَف كَديوَر على الصعيد الدولي بوصفه أحد أبرز علماء الكلام والفلاسفة والمفكرين السياسيين الإسلاميين. وهو مؤلف ثلاثين كتابًا وعشرات المقالات العلمية باللغة الفارسية. وصدر له كتابان عام 2021 ضمن سلسلة “في الترجمة: مفكرون مسلمون معاصرون”: حقوق الإنسان والإسلام التجديدي، وازدراء المقدسات والردة في الإسلام: مناظرات في الفقه الشيعي. وكتابه القادم بعنوان «الحكومة الولائية: السلطة والحکومة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية» في طور الإعداد لِلنشر. وعلى الرغم من أن هذا المؤتمر فعالية غير عامة، فقد دُعيت وسائل الإعلام لتغطية المحاضرة الرئيسية وإجراء حوار مع كَديوَر، وهي فرصة لِلحديث مع باحث تتناول أعماله مسائل الحوكمة والدين وحقوق الإنسان في العالَم الإسلامي المعاصر.

النص الكامل للمحاضرة

السيدات والسادة، جمعية العلوم السياسية في كارولينا الجنوبية، نائب الرئيس الأول للجامعة  (Provost)، عميد كلية العلوم الإنسانية، ومدير قسم العلوم السياسية في جامعة كوستال كارولينا؛

على الرغم من أنني لست أستاذًا في العلوم السياسية، يسعدني ويشرّفني المشاركة في المؤتمر السنوي 2026 لجمعية العلوم السياسية في كارولينا الجنوبية (SCPSA) . ولا بد لي من شكر البروفيسورة “سهير داوود” على دعوتها لي إلى هذا الحدث المهم. اليوم نوروز، أول أيام السنة الجديدة في التقويم الإيراني.

المسألة الإيرانية بالغة التعقيد، أكثر تعقيدًا بكثير مما تُقدّمه الصورة المبسّطة أو المشوَّهة في أحيان كثيرة التي تنقلها شريحة واسعة من وسائل الإعلام الأمريكية، أو مما يُصرّح به الرئيس الأمريكي وكبار أعضاء فريقه. وستتضمن كلمتي ثلاثة محاور: «استعراض موجز للعلاقات الإيرانية الأمريكية قبيل ثورة 1979» وبعدها بتفصيل أوفر؛ ثم «أبرز ملامح الحربين اللتين شنّهما الأمريكيون والإسرائيليون مؤخرًا على إيران»؛ وأخيرًا «الخطوط العامة للصراعات الداخلية الإيرانية». وفي الختام سأجيب عن أسئلتكم.

روايتي رواية من الداخل، من وطني إيران. لقد انتقدت نظام الشاه البهلوي، ومنذ أواخر عام 1987 وأنا أنتقد الجمهورية الإسلامية. وقد عشت تجربة السجن قبل الثورة وبعدها. وأنا كاتب في المنفى، إذ مُنع نشر مؤلفاتي في بلادي منذ عام 2009. وأنا معارض جذري لِلجمهورية الإسلامية ولِلحكم الإسلامي -لنظرية ولاية الفقيه-  وقد كتبت كتبًا ومقالات عديدة في نقد النظرية السياسية لآية الله الخميني، ودعوت إلى محاسبة المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية، ووجهت انتقادات لمرجعيته الدينية.

ومن جهة أخرى، أنا ناقد جاد لِلسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولا سيما في الشرق الأوسط، وناقد بوجه خاص للسياسات الداخلية والخارجية للرئيس ترامب، وللسياسات الإسرائيلية التوسعية والعدوانية وغير المشروعة والفصل العنصري. ولا أنظر في هذه المسائل بوصفها تخصّ إيران أو أمريكا فحسب، بل أنظر إليها من منظور مواطن عالمي. وأنا ملتزم بالمعايير الأخلاقية والقانون الدولي ووثائق الأمم المتحدة والدستور الأمريكي. وأحببت أن أوضح من البداية أن ما تستمعون إليه هو صوت ناقد للأطراف الثلاثة جميعًا، كما ستسمعون ذلك بالتفصيل.

عرضٌ موجز للعلاقات الإيرانية الأمريكية

أودّ أن أُحيي ذكرى هاورد باسكرفيل  (Howard Baskerville)، المعلم الأمريكي الذي لقي حتفه عام 1909 في مدينة تبريز، وهو يقاتل جنبًا إلى جنب مع الإيرانيين الذين ناضلوا من أجل إرساء سيادة القانون في الثورة الدستورية. وهو “الشهيد الأمريكي للثورة الدستورية الإيرانية”.

أبرز حدث يُعدّ النقطة الفارقة الأولى في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية هو انقلاب أغسطس 1953، الذي نفّذته الولايات المتحدة -تحت مسمى عملية -TPAJAX وبريطانيا معًا ضد رئيس الوزراء الشرعي لإيران محمد مصدّق. وكان مصدّق رئيسَ وزراء ديمقراطيًا علمانيًا انتخبه البرلمان الإيراني، فأمّم صناعة النفط الإيرانية في 29 إِسفَند 1331هـ.ش [20 آذار/مارس 1951]، وأنهى الاستغلال البريطاني لإيران. وكان مصدّق يؤمن بسياسة التوازن السلبي ولم يمنح الاتحاد السوفيتي أي امتياز، فبادله الاتحاد السوفيتي برفض شراء النفط الإيراني إبان الحصار النفطي الغربي. وشنّ الماركسيون الإيرانيون [حزب توده] أيضًا حملة شرسة ضد الحكومة الوطنية لمصدّق. وكذلك لم يكن الإسلاميون على وفاق معه، إذ كان السيد الخميني لا يعدّه مسلمًا أصلًا، وإن كان مصدّق في حياته الشخصية رجلًا مؤمنًا ومتدينًا.

وكانت الحكومة الوطنية الديمقراطية لمصدّق نموذجًا يُحتذى به لدول العالَم الثالث. فاستلهم جمال عبد الناصر من مصدّق وأمّم قناة السويس في مصر عام 1956. وأطاح الرئيس دوايت أيزنهاور (Dwight Eisenhower) بالحكومة الديمقراطية الوطنية لمصدّق، وفرض دكتاتورية محمد رضا شاه بهلوي على إيران لِربعَ قرن كامل. وفي تلك الحقبة كانت إيران أهم حليف لأمريكا في الشرق الأوسط وأكبر مصدّر لِلنفط إلى إسرائيل. وأُسِّست منظمة الاستخبارات والأمن الوطني (سافاك)، لتكون الأداة الرئيسية لقمع حركة الحرية في إيران في إِسفَند 1335 [آذار/مارس 1957] بمعاونة وكالة المخابرات المركزية والموساد. ويُعدّ انقلاب عام 1953 أشدّ ضربة وجّهتها أمريكا حتى ذلك الحين لمسيرة الديمقراطية العلمانية في إيران، وكان من تداعياته صعودُ الإسلام السياسي، وثورة 1979، وتسلّم رجال الدين الحكمَ في إيران.

الرئيس جيمي كارتر (Jimmy Carter) هو آخر رئيس أمريكي زار إيران، في 10 آذَر 1356هـ.ش [1 كانون الأول/ديسمبر 1977]. وفي عشية أعياد الميلاد في طهران -قبل أربعة عشر شهرًا من انتصار الثورة- وَصَفَ إيرانَ في عهد محمدرضا شاه بهلوي بـ”جزيرة الاستقرار” ووصف الشاه بـ”محبوب قلوب الشعب الإيراني”. فيا له من دليل على مدى فهم أمريكا لِلأحداث في إيران! وبعد أسبوع واحد من هذا الخطاب، أشعل الشاه فتيل الثورة بنشر مقال مسيء بحق السيد الخميني.

وعقب الثورة، احتلّ طلاب إيرانيون يُعرَفون بـ”أتباع خط الإمام” السفارةَ الأمريكية في طهران، ثأرًا لانقلاب آب/أغسطس 1953، واحتجزوا الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن مدةَ 444 يومًا، العمل الذي نال التأييد القاطع من السيد الخميني، وأفضى بحق إلى معارضة مهدي بازرگان رئيس الحكومة المؤقتة ولاحقًا استقالته. وكان الطلاب يطالبون بتسليم الشاه لمحاكمته واسترداد الأصول الإيرانية المجمّدة في أمريكا. وأدى هذا الفعل المتهوّر من الطلاب إلى العقوبات الأمريكية على الجمهورية الإسلامية المستمرة حتى اليوم، وألحق أشد الأضرار بالعلاقات الثنائية، وشوّه صورةَ الجمهورية الإسلامية في المحافل الدولية. أما إحراق العلم الأمريكي وهتاف “الموت لأمريكا” فمصدران آخران لهذا التوتر، ولا يمكن الدفاع عنهما قطعًا. وتُشكّل هذه الأحداث النقطة الفارقة الثانية في العلاقات الإيرانية الأمريكية.

ومع اجتياح صدام حسين لإيران في أيلول/سبتمبر 1980-في حرب امتدّت ثماني سنوات- باتت الولايات المتحدة في عهد الرئيس رونالد ريغان (Ronald Reagan)، إلى جانب الاتحاد السوفيتي والصين وعدة دول أوروبية، من مصدّري الأسلحة لصدّام، ولا سيما في النصف الثاني من الحرب. وفي 3 تموز/يوليو 1988، أسقطت البحريةُ الأمريكيةُ على متن السفينة USS Vincennes طائرةَ الركاب المدنية التابعة للخطوط الجوية الإيرانية في رحلتها من بندر عبّاس إلى دبي فوق مضيق هرمز، وراح ضحيتها جميع الركاب والطاقم البالغ عددهم 290 شخصًا، بينهم 66 طفلًا. وادّعت الولايات المتحدة أن قواتها البحرية أخطأت في التعرف على الطائرة المدنية وحسبتها طائرة عسكرية. وفي عام 1990، منح الرئيس جورج بوش (George H.W. Bush)  قائدَ السفينة وسامَ الاستحقاق العسكري (Legion of Merit)  تقديرًا لسلوكه المتميز الاستثنائي في أداء خدمة بارزة طوال فترة قيادته للسفينة. وهذه ذكرى مريرة أخرى يحتفظ بها الإيرانيون تجاه أمريكا.

وفي العلاقات بين البلدين خلال الثلاثين سنة الماضية، نلحظ ثلاثة أنماط متمايزة: نمط الرئيس جورج دبليو. بوش، ونمط الرئيس أوباما، ونمط الرئيس ترامب.

في كارثة الهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم القاعدة على نيويورك في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 وما خلّفته من مقتل آلاف الأبرياء، كان خمسة عشر من أصل تسعة عشر إرهابيًا من مواطني المملكة العربية السعودية، ولم يكن في عدادهم أي إيراني. وكان الرئيس الإصلاحي الإيراني السيد محمد خاتمي من أوائل الزعماء العالميين الذين أدانوا هذا الاعتداء الوحشي المتعارض مع القيم الإسلامية والإنسانية إدانةً صريحة لا لبس فيها. وأشعل الإيرانيون الشموع في طهران تضامنًا مع الضحايا. ومع ذلك، وصف الرئيس جورج دبليو. بوش (George W. Bush) في خطابه السنوي أمام الكونغرس في كانون الثاني/يناير 2002، ثلاثَ دول -من بينها إيران- بـ«محور الشر»، في حين غابت الدول التي كان مواطنوها طرفًا في هذه الفاجعة -وجميعها من الحلفاء الأمريكيين في الشرق الأوسط- غيابًا لافتًا عن هذا المحور. وجاء ذلك في حين كانت الأمم المتحدة قد أعلنت عام 2001 “عامَ حوار الحضارات” بمبادرة من الرئيس الإيراني خاتمي، وهي نظرية طرحها في مواجهة نظرية صِدام الحضارات لهنتنغتون (Huntington).

النمط الثاني هو نمط الرئيس باراك أوباما (Barack Obama)؛ وفي عهده توّج مسارٌ تفاوضي طويل بالتوقيع في حزيران/يونيو 2015 على الاتفاق النووي -خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)- بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي. وبموجب هذا الاتفاق، قُيِّدت الأنشطة النووية الإيرانية تقييدًا كاملًا لمدة خمس عشرة سنة، وأُتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية الوصول إلى جميع المنشآت الإيرانية للمراقبة والتحقق من تنفيذ الاتفاق. وفي المقابل، أُعفيت إيران من عقوبات مجلس الأمن الدولي وعقوبات الاتحاد الأوروبي والعقوبات الأمريكية الثانوية. وفي عهد أوباما، التزم الطرفان -إيران وأمريكا- بهذا الاتفاق.

أما النمط الثالث فينتمي إلى الرئيس دونالد ترامب (Donald Trump)، ففي ولايته الأولى، مزّق الاتفاق النووي في 8 أيار/مايو 2018، وانسحب منه رسميًا، وأعلن إعادة تطبيق العقوبات السابقة. فردّت إيران باستئناف برنامج التخصيب السابق. وكان أشد المعارضين للاتفاق النووي: إسرائيل، والجمهوريون -وفي مقدمتهم الرئيس ترامب- والمتشددون الإيرانيون. وكان المرشد آنذاك السيد علي خامنئي غير راض عن ذلك. وقد دأبت هذه التيارات على دعم حالة العداء الدائم بين إيران وأمريكا.

الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

في حزيران/يونيو 2025، وبينما كان ممثلو إيران وأمريكا منهمكين في التفاوض ويقتربون من التوصل إلى اتفاق نهائي، شنّت إسرائيل هجومها العسكري على إيران، واغتالت في الساعات الأولى من هذا الهجوم عددًا كبيرًا من كبار قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني. واختار رئيس الوزراء نتانياهو (Netanyahu) هذه اللحظة للعدوان العسكري لأسباب عدة: أولًا، لإجهاض أي اتفاق بين إيران وأمريكا؛ وثانيًا، بعد المجازر الجماعية في غزة، واغتيال قيادات حماس في فلسطين وطهران، وتصفية عناصر حزب الله عبر تفجير أجهزة النداء في لبنان، واغتيال أمين عام حزب الله، كانت إسرائيل قد توصلت إلى تقدير مفاده أن الجمهورية الإسلامية باتت في أضعف حالاتها، وأن اغتيال كبار قادة الحرس الثوري سيُفضي إلى انهيار النظام، وأن الإيرانيين الساخطين والمحتجّين سينزلون إلى الشوارع لاستقبال سقوط الجمهورية الإسلامية بالترحيب.

غير أن شيئًا من ذلك لم يتحقق. فبعد ساعات قليلة من العدوان العسكري الإسرائيلي، شرعت الجمهورية الإسلامية في إطلاق صواريخها على إسرائيل، وأسرعت إلى تعيين خلفاء لِلقادة الذين اغتيلوا، وبدلًا من أن ينزل المواطنون إلى الشوارع احتجاجًا على النظام، ازداد التضامن الوطني فعليًا في الدفاع عن الوطن في مواجهة العدوان الخارجي. وعلى خلاف ما كان يُتوقع، تمكنت الصواريخ الإيرانية من إصابة أهدافها المحددة مسبقًا وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الإسرائيلية.

وفي اليوم الثاني عشر من الحرب، شهدنا تطورين مهمين: الأول، خلص رئيس الوزراء نتانياهو إلى أن منظوماته الدفاعية قد تضررت بشكل بالغ وأنه يفتقر إلى الذخيرة والقدرة الكافيتين لمواصلة الحرب؛ فطلب من الرئيس ترامب إعلان وقف إطلاق النار كي يعيد تنظيم قواته ويشنّ هجومًا جديدًا. والثاني، احتاج الرئيس ترامب إلى إنجاز دعائي يُتيح له إنهاء الحرب في صورة انتصار. فأصدر أمرًا بقصف مكثّف للمنشآت النووية الإيرانية، ثم أعلن شخصيًا كلًا من الضربة العسكرية وانتهائها، ونوّه إلى تدمير منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية. وبتدمير القدرات النووية الإيرانية، برر موقفه بأن دواعي استمرار الحرب قد زالت، وبهذا أعلن وقف إطلاق النار بنبرة منتصر. وقبلت إيران وقف إطلاق النار، وقد كانت تكبّدت خلال هذا العدوان أضرارًا جسيمة في بنيتها التحتية وخسائر بشرية فادحة.

وأعلن الطرفان انتصارهما. غير أن الحصيلة من حيث الخسائر البشرية وأضرار البنية التحتية تُثبت أن هذا العدوان لم يُفرز منتصراً. فلم تبلغ إسرائيل وأمريكا أهدافهما المُعلنة: انهيار الجمهورية الإسلامية أو تفككها أو اندلاع حرب أهلية في إيران. وبالنسبة للجمهورية الإسلامية كان ذلك انتصارًا. بيد أن من تداعيات هذه الحرب الاثني عشر يومًا: تعزيز قبضة المتشددين، ولا سيما الحرس الثوري، على مقاليد الأمور؛ وتهميش الإصلاحيين والمعتدلين وإقصاؤهم من دوائر صنع القرار؛ وتصاعد قمع الحريات المشروعة التي يكفلها الدستور. وقد أسهمت إسرائيل وأمريكا فعليًا في إبطاء نضال الشعب الإيراني من أجل الديمقراطية والحرية وسيادة القانون وإطالة أمده.

بدأت الحرب الثانية في وقت كانت إيران وأمريكا تجريان مفاوضات في فيينا، تضطلع فيها عُمان بدور الوسيط. وبحسب البيان الرسمي لوزير خارجية عُمان، كانت إيران قد قبلت جميع الشروط الأمريكية المتعلقة بالطاقة النووية، وكان من المقرر أن تُنهي الجولة التالية من المفاوضات التوصلَ إلى الاتفاق. وقد حثّ رئيس الوزراء نتانياهو الرئيسَ ترامب على شنّ هجوم على إيران. وعلى خلاف الرؤساء الأمريكيين السابقين الذين رفضوا دعوات نتانياهو، وقع الرئيس ترامب في فخ نتانياهو، وانطلق الهجوم العسكري المشترك والواسع النطاق لأمريكا وإسرائيل على الأراضي الإيرانية يوم السبت 28 شباط/فبراير 2026. وفي الساعات الأولى، اغتيل المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، رفقة عدد من أفراد أسرته -من بينهم ابنته وحفيدتان صغيرتان- وعدد من كبار القادة العسكريين. وقصفت الولايات المتحدة مدرسة ابتدائية في مينَاب في اليوم الأول ذاته، وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية، لقي 168 بريئًا حتفهم معظمهم من الطالبات. وخلال هذه الأسابيع الأربعة، تعرّض عدد كبير من المساكن والمدارس والمستشفيات ومراكز الطوارئ ومصانع الأدوية والمواقع الأثرية والمتاحف والمطارات والبنية التحتية المدنية -بما فيها محطات الطاقة ومصافي النفط والغاز ومنشآت تخزين الوقود- للقصف على أيدي أمريكا وإسرائيل، مما أفضى إلى تلوث بيئي حاد. وقد لقي أكثر من 1700 مدني حتفهم، من بينهم أكثر من مئتي طفل ومئتان وثلاثون امرأة.

واستبدلت الجمهورية الإسلامية قادتها العسكريين الذين اغتيلوا بسرعة أكبر مما كانت عليه في الحرب السابقة. وعملًا بالدستور، انعقد مجلس القيادة فور اندلاع الأزمة، وفي غضون أسبوع واحد، عيّن مجلس الخبراء السيد مجتبى خامنئي -نجل المرشد الذي اغتيل-  مرشدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية. وكان قد أصيب في قصف اليوم الأول من الحرب الجارية، وشهد مقتل والده وزوجته وأخته وصهره وأبناء أخته الصغار أمام عينيه. وتصدّت القوات العسكرية الإيرانية لِلدفاع عن الأراضي الإيرانية بحزم أكبر مما كانت عليه في الحرب السابقة، وشنّت هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة إيرانية الصنع على إسرائيل؛ وقد عجزت القبة الحديدية الإسرائيلية الباهظة التكلفة عن اعتراض المقذوفات الإيرانية، فألحقت أضرارًا جسيمة بالمواقع العسكرية والبنية التحتية الإسرائيلية.

وتختلف هذه الحرب عن سابقتها في جوانب مهمة عدة. أولًا، اندلعت الحرب بهجوم مشترك أمريكي إسرائيلي، لا بمجرد هجوم إسرائيلي يستخدَم فيه أسلحة وأموال أمريكية مع ضربة رمزية أمريكية في الختام. فقد ورّط الرئيس ترامب أمريكا في حرب شاملة مع دولة تبعد عنها آلاف الكيلومترات، وأوفد إلى المنطقة حاملتَي طائرات عملاقتين. وثانيًا، نُفّذت الضربات الأمريكية على إيران في معظمها انطلاقًا من قواعدها المتعددة في دول حليفة في منطقة الخليج الفارسي والمنطقة المجاورة: الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وقطر، والكويت، والعراق، والأردن.

وردًّا على ذلك، وبعد إبلاغها مسبقًا، نفّذت إيران ضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة على كل موقع شُنّت منه هجمات على أراضيها. وفي القواعد التي وُظِّفت لشن الغارات على البنية التحتية الإيرانية، استهدفت إيران بالمثل بنية الدول الحليفة لأمريكا. بمعنى آخر، اتسعت رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتشمل المنطقة بأسرها. وأكدت إيران مرارًا أن هجماتها تندرج ضمن الدفاع المشروع والرد بالمثل على القواعد الأمريكية في المنطقة، وأنها لا تكنّ أي عداء تجاه جيرانها العرب.

وثالثًا، عاد حزب الله -الذي ادّعت إسرائيل أنها أبادته- بعد اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية، وشنّ بعد إبلاغه مسبقًا هجومًا على إسرائيل. فردّت إسرائيل بضربات موجعة طالت جنوب لبنان واحتلّت جزءًا من أراضيه. وخلال هذه الأسابيع الثلاثة، قُتل أكثر من ألف مدني لبناني، ونزح أكثر من مليون شخص، وخلّفت الغارات دمارًا واسعًا في جنوب لبنان يُضاهي ما جرى في غزة.

ورابعًا، أغلقت إيران مضيق هرمز أمام ناقلات النفط الأمريكية وناقلات حلفائها، ولا تسمح بالعبور إلا للسفن التابعة للدول التي لم تشارك في العدوان على إيران. وأعلنت إيران أنها ستُبقي هذه السياسة سارية المفعول بعد انتهاء الحرب. وطلب الرئيس ترامب من حلفائه في شتى أرجاء العالم المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز. وحتى الآن، لم تستجب أي دولة لهذا الطلب مما يعني أن أمريكا باتت تواجه هذا الوضع وحيدة. وأجبرت الضربات الإيرانية بالمسيّرات والصواريخ حاملتَي الطائرات الأمريكيتين على الانسحاب من المنطقة.

وخامسًا، خلصت إيران إلى أن المفاوضات في كلتا الحربين لم تكن سوى خداع، وأن أمريكا، بتحريض من إسرائيل، وظّفت الدبلوماسية لإشغال إيران بينما كانت تستعد لِلعمل العسكري. لذا، وعلى الرغم من الطلبات المتكررة التي وجّهها مبعوث ترامب ويتكوف (Witkoff) خلال هذه الأسابيع الأربعة للتفاوض، لم تُبدِ إيران أي استجابة. وموقف إيران أنه لا ثقة بدولة هاجمتها مرتين في خضم المفاوضات الجارية وخانت الدبلوماسية مرتين. فضلًا عن ذلك، رفضت إيران حتى الآن عروض وساطة متعددة من دول عربية وإسلامية غير عربية لوقف إطلاق النار، إذ تعدّ أي وقف لإطلاق النار مقدمةً لإعادة تجهيز أمريكا وإسرائيل لشنّ هجوم جديد. والرد الصريح لإيران حتى الآن هو: لم نبدأ هذه الحرب. نحن نمارس حق الدفاع المشروع والرد بالمثل دفاعًا عن سلامتنا الإقليمية واستقلالنا. وسيستمر الدفاع حتى نتثبت من انتهاء العدوان وتتوفر ضمانات كافية في مواجهة أي عدوان مستقبلي. نحن مستعدون لإبرام اتفاقية هدنة بضمانات وافية، لكننا لن نقبل بوقف إطلاق النار ولن نتفاوض مع معتدٍ لا يلتزم بالمعاهدات الدولية دون ضمانات كافية.

والسؤال الملحّ في داخل أمريكا وعلى الصعيد الدولي هو: ما الهدف الذي يسعى إليه الرئيس ترامب من وراء شنّ هجوم عسكري على إيران؟ وهل كان لديه خطة محكمة ومنظّمة ومحددة الأهداف والتوقيت؟ أما فيما يخص إسرائيل فلا داعي لطرح هذا السؤال، إذ الجواب معروف لِلجميع: تفكيك إيران، وانهيار النظام القائم، وتغيير النظام، واندلاع حرب أهلية. ومن خلال تصريحات ترامب المتضاربة وغير المتسقة -التي يتعذر تحديد أولوياتها- يمكن استخلاص الأهداف التالية: 1. منع إيران من صنع قنبلة ذرية يُدّعى أنها تسعى إليها، أو وقف تخصيب اليورانيوم في إيران وقفًا دائمًا، أو تدمير الصناعة النووية الإيرانية بالكامل؛ 2. تغيير نظام الجمهورية الإسلامية، أو تنصيب قيادة خاضعة لأمريكا ومتناغمة مع إسرائيل؛ 3. الاستسلام الإيراني غير المشروط وتحويل إيران إلى دولة شبيهة بسائر دول الشرق الأوسط الحليفة لأمريكا؛ 4. تفكيك إيران؛ 5. حرب استنزاف، وشلّ النظام القائم، وإشعال حرب أهلية، والدعوة إلى تمرد داخلي، وتشجيع القوات الكردية المسلحة في العراق على دخول إيران والقتال، والتهديد بغزو بري لإيران؛ 6. تحييد التهديد الذي تمثله إيران لأمريكا تحييدًا دائمًا؛ 7. إيران مصدر زعزعة استقرار الشرق الأوسط وداعمة للإرهاب، ولا بد من إزاحتها نهائيًا.

ويبدو أنه نسي أنه في حزيران 2025، وعقب القصف الكثيف للمنشآت الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، أعلن رسميًا التدمير الكامل للصناعة النووية الإيرانية. وكان مرشد إيران الذي اغتيل قد أصدر فتوى تقضي بتحريم صنع أسلحة نووية شرعًا. وحتى الآن، وعلى الرغم من الادعاءات المتكررة لرئيس الوزراء نتانياهو والرئيس ترامب، لا تتوفر وثيقة أو دليل يُثبت أن إيران تسعى لصنع قنبلة ذرية. وليس لديّ خبرة متخصصة في هذا المجال. إيران عضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي إطار الاتفاق النووي (JCPOA) والاتفاقيات المماثلة لا مجال للقلق. وأمريكا أكبر حائزة للأسلحة النووية في العالم، وإسرائيل بدورها مسلحة بهذا السلاح المدمر. والمعايير المزدوجة لا يمكن الدفاع عنها. والسلاح النووي ضارٌ في أي بلد كان. وهل يحق للرئيس ترامب -بسياساته البالغة الإشكالية-  ورئيس الوزراء نتانياهو -رغم إدانته من قِبل محكمة الجنايات الدولية في لاهاي بوصفه مجرم حرب- هل يحق لهما أن يقررا في شأن استخدام الأسلحة النووية، في حين يُحظَر على إيران حتى الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض المدنية والسِلمية؟!

ويبدو أن المخاوف الحقيقية لدى الرئيس ترامب من إيران ليس تخصيب اليورانيوم، إذ يعلم جيدًا أن إيران لا تعتزم صنع قنبلة نووية ولم تقترب منها. وهذه مخاوف إعلامية مُصطنعة، تمامًا كالدعاية المزيفة التي سبقت الهجوم على العراق في عهد الرئيس بوش -التي ادّعت أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل- وكشف الزمن بعد خسائر فادحة ودمار واسع أنها كانت كذبة. أو ما رُوِّج قُبيل اختطاف رئيس فنزويلا وزوجته بشأن تهريب المخدرات من فنزويلا إلى أمريكا، ثم تبيّن أن الهدف الفعلي كان الاستيلاء على الثروات النفطية الهائلة لفنزويلا واستعمار ذلك البلد.

ويبدو أن الهدف الأساسي للرئيس ترامب من الهجوم على إيران هو تأمين أمن إسرائيل. فبحسب الوثائق المتاحة، لم تكن إيران قط تهديدًا عملياتيًا فعليًا على أمريكا. وقد صرّح بذلك المتخصصون في هذا المجال بوضوح من أمثال جون مرشايمر (John Mearsheimer) وسواه. ومن ثَمّ، فإن الحرب الجارية لا تتناسب مع استراتيجية “أمريكا أولًا” للرئيس ترامب؛ وقد تحوّلت تلك الاستراتيجية في الممارسة إلى “إسرائيل أولًا”. وقد نبّهه إلى ذلك كثيرون من حلفائه أنفسهم في حركة ماغا (MAGA) ((لنجعل أمريكا عظيمة من جديد) وانتقدوه انتقادًا حادًا. أستشهد هنا بمثال واحد:

جو كينت (Joe Kent) جوزيف كلاي كين  (Joseph Clay Kent)، السياسي الأمريكي والضابط السابق في العمليات الخاصة بالجيش والسي آي إيه، قدّم في 17 آذار/مارس 2026 استقالته من منصبه الرفيع بوصفه مديرًا للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC) في إدارة ترامب. وهذه ترجمة حرفية لكلماته: «إن ضميري لا يسعه دعم الحرب الجارية في إيران. فإيران لم تكن تهديدًا وشيكًا لبلادنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط إسرائيل ولوبيها القوي في أمريكا».

وتُكلّف هذه الحرب أمريكا مليار دولار يوميًا. فهل يمكن الدفاع عن هذا الإنفاق الضخم لصالح ما لا يخدم المصالح الوطنية الأمريكية، ولا سيما أن أغلب الأمريكيين لا يؤيدون الحرب على إيران؟

وقد صرّح السفير الأمريكي في إسرائيل قبل أيام بأن الشرق الأوسط بأسره مُلك لإسرائيل. وهذا هو المقصد الحقيقي لِلحكام الإسرائيليين. وإن كان الرئيس ترامب يسعى لتحقيق هذه الرؤية، فالأجدر به أن يُفصح عنها أمام مواطنيه صراحةً. وهذه الحرب مصمَّمة بالطبع لتمهيد الطريق لهذا الطموح.

ووفقًا للدستور الأمريكي، يتعيّن على الرئيس استصدار إذن الكونغرس لإعلان الحرب. وهذا الإذن لم يصدر. فهذه الحرب مخالفة لِلدستور. وبمقتضى معايير القانون الدولي، يُعدّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران عملًا غير مشروع لا يستند إلى أي سند قانوني. وبموجب وثائق الأمم المتحدة، لا يحق لِلدول الأعضاء الاعتداء على سائر الدول الأعضاء. وهذه الحرب ظالمة. وطبعًا، بالنسبة لرئيس يرى نفسه فوق القانون الدولي، فإن مثل هذه الاعتراضات لا قيمة لها. ومع ذلك، ألا تحظر القوانين الأمريكية النافذة اغتيال قادة الدول الأخرى؟

إن الرئيس الذي بدأ ولايته الثانية بتعهد جدير بالثناء بعدم التورط في حروب جديدة -وإنهاء جميع الحروب القائمة-  يخوض اليوم واحدة من أكثر الحروب كلفةً في تاريخ أمريكا. وقد صرّح صراحةً بأنه يفخر بقتل الإيرانيين، أو أن الهجوم على جزيرة خارك ضرب من التسلية بالنسبة له! أفلا يدرك الجمهوريون -الذين يهيمنون فضلًا عن الرئاسة على أغلبية الكونغرس والشيوخ والمحكمة العليا- أن هذه السياسات المتهورة تُلحِق أضرارًا مدمرة بمكانة أمريكا في العالَم وبقيمها ومصالحها الوطنية؟ ألا ينبغي أن نستخلص الدروس من التجربة المريرة للحروب الأمريكية السابقة في العراق وأفغانستان وفيتنام؟

ولو كان الرئيس ترامب يعرف الشعب الإيراني حق المعرفة، لما أطلق مطالبته الحمقاء بـ”الاستسلام غير المشروط”. فهذا المفهوم غائب من قاموس إيران. وإيران صاحبة تجربة في حرب دامت ثماني سنوات. وأمريكا وإسرائيل غير مهيّأتين لحرب طويلة الأمد. وأنا على يقين أن حلم إسرائيل والرئيس ترامب -الاستسلام الإيراني غير المشروط- لن يتحقق قط. بل ربما يحدث العكس تمامًا: ترتفع أسعار النفط ارتفاعًا حادًا، فترتفع في أعقابه أسعار سلع لا تُحصى في أنحاء العالم، وتتصاعد الخسائر الأمريكية والإسرائيلية إلى حدٍّ يخسر فيه الجمهوريون أغلبيتهم في الشيوخ والكونغرس في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر القادم. وعندئذٍ، سيكون الرئيس ترامب هو من يضطر إلى مراجعة سياساته الخاطئة لا العكس. ولا يمكن استبعاد احتمال عزله ومحاكمته أيضًا.

ويبدو أن على كل مواطن أمريكي يُفكّر في المصالح الوطنية لبلاده، ويُشغله استعادة المكانة الدولية المتضررة لأمريكا وقيمها، أن يتحرك فورًا لإنهاء هذه الحرب. قبل أن نشهد عودة أكياس الجثث المحمولة على الأكتاف تعود إلى الأوطان، كما جرى في الحروب الأمريكية السابقة في فيتنام وأفغانستان والعراق حيث نُقل الحداد إلى بيوتٍ لا تُعدّ ولا تُحصى، يجب أن ننهي فورًا هذه الحرب غير القانونية وغير الدستورية والظالمة والفاشلة استراتيجيًا.

الصراعات الداخلية الإيرانية

إيران بلد ذو حضارة تمتد لآلاف السنين، وفيه شعب بنى الحضارات، وكان قوة عظمى لثلاث مرات طوال تاريخه. وحين وقع تحت وطأة الغزاة، فرض لغته وثقافته على المحتل وذاب المحتلون في إرثه الثقافي الثري. وكان كورش الإخميني قد أنهى أسر اليهود البابلي، وجاء اسمه في سِفر التوراة مرات عدة بالامتنان والثناء. وعلى الرغم من أن الإيرانيين لا يمثلون سوى أقل من خمسة بالمئة من مسلمي العالم، فإن ما يقارب خمسين بالمئة من العلماء المسلمين كانوا إيرانيين،  أي عشرة أضعاف حصتهم السكانية. واللغةُ الفارسية هي اللغة الثانية للإسلام. ويفخر الإيرانيون بحقّ بثقافتهم وحضارتهم ووطنهم.

وناضل الإيرانيون قرابة مئة وخمسين عامًا في بلادهم من أجل سيادة القانون والحرية والعدالة. وخلال هذه الحقبة، اندلعت في إيران ثورتان: الثورة الدستورية عام 1905، والثورة التي اشتُهرت بالثورة الإسلامية عام 1979. وكانت ثورة 1979 من أعرق ثورات القرن العشرين وأصالةً، مما استدعى إعادة النظر في بعض النظريات الاجتماعية، أي نظرية إزالة الطابع العلماني وعودة الدين إلى المجال العام. والجمهورية الإسلامية نظام “استبدادي انتخابي”. وقد كان النظام السياسي الإيراني استبداديًا قبل الثورة وبعدها، شأنه شأن كثير من الأنظمة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. غير أن لِلجمهورية الإسلامية ميزة على أغلب الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، وهي طابعها الانتخابي. ففي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُنتخب الرئيس والبرلمان والمجالس البلدية ومجلس الخبراء جميعًا بالاقتراع المباشر.

وعلى الرغم من أن المرشد الذي اغتيل قيّد الانتخابات عبر فقهاء مجلس صيانة الدستور الذين يعيّنهم المرشد بموجب القانون من خلال تفسير مخالف للقانون أُطلق عليه “الرقابة الاستصوابية” وحصر الترشح في الوجوه التي يقرّها ذلك المجلس، تمكّن الإيرانيون في مناسبات عدة من انتخاب مرشحيهم المفضلين لِلرئاسة والبرلمان خلافًا لإرادة المرشد. وأدّى السيد محمد خاتمي مهامه رئيسًا للجمهورية من التيار الإصلاحي (1997-2005)، وحسن روحاني رئيسًا للجمهورية من الحركة الاعتدالية (2013-2021) وفي عهده أُبرم الاتفاق النووي. والرئيس الحالي مسعود بزشكيان (منذ تموز/يوليو 2024) تمكّن بدوره من الفوز على المرشح المتشدد سعيد جليلي. وفي الدورة البرلمانية السادسة (2000-2004)، كان الإصلاحيون يحوزون الأغلبية وكانوا يُشكّلون تحديًا جديًا لمقام المرشد. في المقابل، في كثير من الدول العربية في منطقة الخليج -كالمملكة العربية السعودية وقطر- لا يُنتخب أي مسؤول حكومي بالاقتراع الشعبي ولا وجود لبرلمانات منتخبة أصلًا. وفي الإمارات العربية المتحدة والبحرين، لا يضطلع النواب المنتخبون القلائل بأي دور محوري في البنية السياسية.

والجمهورية الإسلامية نظام ثوري وصل إلى السلطة بثورة شعبية نالت تأييدًا قاطعًا تجاوز 98 بالمئة من الشعب. وكان السيد الخميني شخصية كاريزمية حظيت حتى وفاته عام 1989 بتأييد أغلبية راسخة ما لا يقل عن ثلاثة أرباع الإيرانيين على الأقل. وعلى الرغم من عدم إيمانه بالحرية والديمقراطية، لم يكن في الخط ذاته مع رجال الدين الأصوليين المحافظين. وبرغم كونه مرجعًا دينيًا وزعيمًا روحيًا لشريحة واسعة من الشيعة داخل إيران وخارجها، ورغم أنه حظي بتأييد كثير من مسلمي أهل السنة في العالم، فقد ظل منتبهًا إلى الرضا الشعبي ساعيًا إلى إقامة التوازن بين الجناحين السياسيين اليساري واليميني. وكان براغماتيًا في الحكم، متمسكًا تمسكًا عميقًا بمبدأ مصلحة النظام، وقد أسهم في الواقع -وإن لم يكن ذلك مقصودًا- في تهيئة الأرضية لِعلمنة الفقه الشيعي والنظام السياسي الإيراني، وذلك بإدخاله عنصر «المصلحة».

أما المرشد الثاني لِلجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، فقد افتقر إلى المكانة العلمية الرفيعة والشخصية الكاريزمية التي كان يتمتع بهما السيد الخميني. وإذ كان يُحاط بالتيار السياسي اليساري -الذي كان ينشط تحت مسمى الإصلاح- بعين الريبة، أقصاه شيئًا فشيئًا إقصاءً تامًا من دائرة النظام. وفي عهده، استولى التيار السياسي اليميني الذي ينشط تحت مسمى “الأصولية” على جميع مواقع السلطة. وانقسم الأصوليون تدريجيًا إلى شقين: الأصوليون المعتدلون والأصوليون المتشددون. ومع مضيّ مسيرة التصفية قُدمًا، جرى إقصاء الأصوليين المعتدلين هم أيضًا من جسد النظام، ووصلت أغلب المناصب الرئيسية إلى أيدي الأصوليين المتشددين المعروفين بـ«جبهه بايداري» [جبهة الصمود]. ومحمود أحمدي نجاد (2005-2013) وإبراهيم رئيسي (2021-2024) رئيسان جمهوريتان متشددان صعدا بدعم المرشد.

وطوال سبعة وثلاثين عامًا من حكم خامنئي، أُديرت البلاد بالمراسيم الحكومية للمرشد لا بالقانون؛ وتآكلت الجمهورية تآكلًا حادًا؛ وتراجعت الحرية والديمقراطية؛ وتصاعد الفساد والتمييز تصاعدًا ملحوظًا؛ والأهم من ذلك كله، اتسعت رقعة السخط الشعبي. ولمّا كان المرشد يُضيّق على الرؤساء الإصلاحيين والمعتدلين ويسدّ أمامهم آفاق كل إصلاح مشروع، توصّل عدد متزايد من الإيرانيين إلى قناعة بأن الجمهورية الإسلامية عصية على الإصلاح. وهوت نسبةُ المشاركة الانتخابية في السنوات الأخيرة للمرة الأولى منذ الثورة إلى ما دون الخمسين بالمئة، مما يعني أن ما يقارب ستين بالمئة من الناخبين المؤهلين أحجموا عن المشاركة، وبلغت نسبة العزوف في طهران ما يقارب سبعين بالمئة. وبناءً على استقراء نتائج الانتخابات الأخيرة، يمكن القول بثقة إن نسبة السخط الشعبي من الجمهورية الإسلامية بلغت نحو خمسة وثمانين بالمئة. وبعبارة أخرى، تحوّلت الجمهورية الإسلامية في عهد المرشد الثاني -ولا سيما في العقدين الأخيرين- إلى حكم أقلية احتكارية على أغلبية ساخطة.

وبقدر ما فقد النظام قاعدته الشعبية، تعاظم اتكاؤه على القضاء غير المستقل وأجهزة الأمن، وبخاصة الحرس الثوري. وللإسكات المنتقدين، لجأت الحكومةُ إلى أدوات من قبيل: الإقامة الجبرية للمعارضين البارزين، والسجن المطوّل للمعارضين السياسيين، وحل الأحزاب السياسية المعارضة، وإغلاق الصحف المستقلة، ونفي الشخصيات ذات التأثير. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، أن المرجع الديني الأبرز الذي كان مُقررًا في الأصل أن يصبح المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية -آية الله منتظري- وُضع قيد الإقامة الجبرية لأكثر من خمس سنوات، وذلك إثر انتقاده لتحويل الحوزات العلمية إلى مؤسسات حكومية وتشكيكه في أهلية المرشد للمرجعية الدينية. وفي انتخابات الرئاسة عام 2009، حاز آخر رئيس وزراء للجمهورية الإسلامية [مير حسين موسوي] الأغلبية، غير أن أحمدي نجاد أُعلن فائزًا عوضًا عنه. وكانت أكبر احتجاجات شهدتها شوارع إيران منذ الثورة، ونشأت الحركة المعروفة بالحركة الخضراء رافعةً شعار “أين صوتي؟”. وقُمعت تلك الاحتجاجات بعنف، وما زال مير حسين موسوي وزوجته زهرا رهنورد يمضيان قيد الإقامة الجبرية منذ خمسة عشر عامًا.

وغدا الحرس الثوري أقوى مؤسسة في البلاد، لا على الصعيد العسكري وحده، بل على الأصعدة الأمنية والاقتصادية والسياسية والثقافية وحتى الإعلامية. وبفعل منظومة العقوبات متعددة الطبقات التي فرضتها أمريكا على الجمهورية الإسلامية -وهي الأوسع نطاقًا في العالم- تضرر الاقتصاد الإيراني تضررًا بالغًا، وألقت تلك العقوبات بثقلها الأكبر على كاهل الشعب، ولا سيما الفئات محدودة الدخل والطبقة الوسطى، أكثر بكثير مما أثقلت كاهل الحكومة. وأفضت العقوبات إلى استشراء الفساد. ويعيش أكثر من ثلث السكان تحت خط الفقر. والضغط الاقتصادي المتصاعد، مترافقًا مع القيود السياسية والثقافية والاجتماعية، وإصرار النظام على رفض أي إصلاح سياسي أو اجتماعي، قد أجّج نار الاحتجاجات الشعبية. ومثالًا على ذلك، بات الإيرانيون خلال الثلاثين سنة الماضية يخرجون في احتجاجات شعبية بمعدّل كل 2.6 سنة، إذ شملت أعوام 1999 و2009 و2018 و2019 و2022 و2026. وتراجع سن المحتجين تدريجيًا، وتصاعد عدد المتظاهرين الذين سقطوا برصاص قوات الأمن ولا سيما الحرس الثوري. وبحسب الإحصاءات الرسمية، لقي نحو 3000 محتج حتفهم خلال احتجاجات (في يومَي 8 و9 كانون الثاني/يناير 2026)؛ أما بحسب أرقام موثّقة لبعض المعارضين، فيصل هذا العدد إلى نحو 7000 شخص.

وينقسم المعارضون الإيرانيون إلى مجموعتين رئيسيتين. المجموعة الأولى هي المعارضة الوطنية، وهي تضم من يُطالبون بإصلاحات هيكلية في البلاد واستفتاء شعبي لتغيير النظام وانتقال سلمي من الجمهورية الإسلامية نحو حكم ديمقراطي، مع رفض قاطع في آنٍ واحد لأي تدخل أجنبي أو عدوان عسكري أو تفكيك لإيران. وترى هذه المجموعة أن التصدي للعدوان الخارجي يتقدّم على التصدي للاستبداد الديني.

أما المجموعة الثانية -المعارضة غير الوطنية- فتضم طيفًا من المعارضين الذين يؤمنون بأن الجمهورية الإسلامية يجب أن تُسقط بأي ثمن، ولو عبر العنف أو الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي. وبعض هؤلاء المعارضين -ليس جميعهم- جرى تنظيمهم وتسليحهم من قِبل الموساد. وأنصار النظام الملكي المؤيدون لنجل الشاه السابق الذي يحظى بتأييد صريح من رئيس الوزراء نتانياهو، وكذلك منظمة مجاهدي خلق، يُعدان تيارَين معارضَين معروفَين تابعَين لأجندات أخرى، يُضخَّم شأنهما في وسائل الإعلام الغربية. ولم يُبدِ الرئيس ترامب حتى الآن ميلًا خاصًا تجاه رضا بهلوي. والمعارضة غير الوطنية -سواء أكانوا أفرادًا مستقلين ممن لا يدركون ما يفعلون ويدعون إلى التدخل العسكري الأجنبي، أو كانوا معارضة مرتبطة ارتباطًا كاملًا بالخارج- أقلية، ويُستبعد أن يكون لها دور حاسم في مستقبل إيران.

ويمكن التقدير بثقة أن المعارضة الوطنية تمثل الأغلبية الساحقة، بمعنى أن أكثر من ثلاثة أرباع الإيرانيين يعارضون بصرامة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على وطنهم. ويُميّز الإيرانيون على هذا النحو بين إيران والجمهورية الإسلامية: فبينما يعارضون الاستبداد الديني وأسلوب حكم النظام القائم، فإنهم يدعمون في الوقت ذاته وبصِدق الجيش والحرس الثوري في الدفاع عن الأراضي الإيرانية في مواجهة العدوان الخارجي. وهنا بالضبط يكمن تعقيد المسألة الإيرانية. ويجدر الإشارة إلى أن الحضور الجليّ لِلمواطنين العاديين في الشوارع دعمًا للقوات المسلحة، وإحياء مراسم تشييع شهداء الحرب والمسؤولين العسكريين والمدنيين الذين اغتالتهم إسرائيل، والتعبير عن التأييد للدفاع المشروع في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، قد تصاعد فعلًا تصاعدًا لافتًا في الأسابيع الأخيرة. وهذا الدعم لا يعني البتة تأييدًا للجمهورية الإسلامية. وخلافًا لما يدّعيه الرئيس ترامب، هذا ليس من صنع الذكاء الاصطناعي. ويكفي مراجعة تقارير مراسلي وسائل الإعلام الغربية المتواجدين في داخل إيران. ومن المستبعد جدًا أن يُفضي العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، وإن كانت الخسائر البشرية وأضرار البنية التحتية ثقيلة ومؤسفةً. غير أنه حتى الآن، ترك الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتانياهو أثرين رئيسيين على إيران: أولًا، تعززت الوحدة الشعبية في الدفاع عن الوطن، بما فيها تأجيل المعارضة للجمهورية الإسلامية، تعززًا ملموسًا. وثانيًا، أضعف هذا العدوان العسكري حركة الحرية والديمقراطية في إيران وأَخّرها. وعقب انتهاء الحرب، سيقمع المتشددون في داخل إيران صوت المنتقدين الحريصين على الحرية بَيدٍ أشدّ قسوةً بكثير مما كانت عليه. ومن ثم فهذا العدوان العسكري مرفوض ومُدان من كل وجه بالنسبة للشعب الإيراني والشعب الأمريكي على حدٍّ سواء.